الأسرة المسيحية

الأسرة المسيحية[1]
بمناسبة حضور لجنة الأسرة لمجلس الكنائس العالمي معنا في هذه الليلة، أود أن أحدثكم عن “الأسرة المسيحية”، وتكوينها الروحي، وعملها في بناء الملكوت، وعلاقات أفراده…
الأسرة المسيحية
الأسرة الأولى في العالم، هل تظنونها كانت مكونه من طرفين اثنين هما رجل وامرأة، أعني آدم وحواء؟ كلا.
بل الأسرة تتكون دائمًا من ثلاثة أطراف: الله والزوجين.
لذلك حينما يرزق الزوجان ابنًا، يكون ابنًا للأب، وابنًا للأم وأيضًا ابنًا لله، بالمعمودية والانضمام إلى الكنيسة.
ثم ينضم إلى الأسرة طرف رابع، هو الأولاد.
والزواج الذي لا يكون الله طرفًا فيه، ليس زواجًا مقدسًا.
الله طرف فيه، لأنه هو الذي يجمع الزوجين، ويصيرهما واحدًا فى سر الزواج بعمل الروح القدس، فلا يصيران بعد اثنين، بل واحد (مت19). ولذلك يقول الكتاب: “ما جمعه الله، لا يفرقه إنسان”… إن الله هو الذي زوج آدم، ومنحه حواء. والكتاب يقول: المرأة الفاضلة هي من عند الرب.
والأولاد الذين ينجبهم الزواج، يقول عنهم الوحي الإلهي: “الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ” (مز127: 3). والزوجة التي لم تلد، تطلب من الرب أن يمنحها ابنًا، كما قيل في سفر التكوين: “وفتح الرب رحم راحيل، فولدت” (تك30: 22).
الزواج يتم في بيت الله، بواسطة الكاهن خادم الله. ويشعر الزوج أنه أخذ زوجته من الكنيسة، من يد الله، الذي بارك الزواج، وقدسه. لذلك يستعد الزوجان قبل الزواج بالاعتراف والتناول، لكي يصيرا مؤهلين لعمل الروح القدس فيهما في سر الزواج.
ومن واجب الأب الكاهن أن يرعى كل زواج، ويفتقد هذه الأسرة الناشئة. بل هو يقدس بيتها بصلاة تقديس البيوت الجديدة، ويصلي في البيت صلاة القنديل أحيانًا، ويرفع فيه البخور، ويرش الماء المقدس، ويدهن أفراد الأسرة بالزيت.
ما أعمق قول الكتاب: “أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش24: 15).
من أشهر الأسرات المقدسة التي حكى عنها الكتاب، أسرة القديس باسيليوس الكبير، كان منها هذا القديس رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، وأخوه القديس غريغوريوس أسقف نيصص، وأخوهما القديس بطرس أسقف سبسطية، وأختهم القديسة ماكرينا رئيسة دير، وأمهم كانت قديسة، وجدتهم ماكرينا الكبيرة وكانت أيضًا قديسة ومرشدة روحية..
ومن الأسرات المسيحية المشهورة، كانت أسرة القديسة ميلانيا الكبيرة، وحفيدتها القديسة ميلانيا الصغيرة.
وما أكثر الأسرات التي كان أعضائها قديسين…
إنه بحث جميل أن نجمع سير الأمهات القديسات، والآباء القديسين، سواء من الكتاب أو من تاريخ الكنيسة.
في كتبنا سير لا حصر لها لقديسين شهداء، أو بطاركة وأساقفة، أو رهبان. ولكن الجميع قد لا يتجهون هذا الإتجاه، أو لا يتاح لهم…
لذلك ما أجمل أن نجمع سير القديسين والقديسات، من المتزوجين والمتزوجات، فى محيط الأسرة المسيحية، لتكون قدوة يسهل اقتفاء آثارها…
لقد زودنا الله بقائمة كبيرة من هذا النوع فى الكتاب المقدس، ولكننا نريد المثل من التاريخ ومن قصص الواقع.
إن بعض الفتيات الخادمات يخفن أحيانًا من الزواج، لئلا يبعدهن عن الخدمة وعن الكنيسة، وتفتر فيه حياتهن الروحية.
فإن رأت الفتيات أمثلة من الزوجات القديسات، لا يرهبن الزواج…
إن الكتاب المقدس يقدم لنا مثالًا للأم القديسة، أم موسى النبي كيف قضى معها حوالي ثلاث سنوات في طفولته، أمكن فيها أن تسلمه كل الإيمان الذي حفظه من العبادات الوثنية في قصر فرعون طوال أربعين سنة.
كذلك أسرة القديس تيموثاوس الأسقف، الذي قال له القديس بولس الرسول: “أتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ اوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ افْنِيكِي” (2تي1: 5).
ومن الأمهات المشهورات أم القديس مرقس الرسول (أع12: 12).
إنها تمثل الأسرات القديسات اللائي وهبت بيوتهن لتكون كنائس.
بيتها المقدس صار أول كنيسة في العالم، فيه احتفل السيد المسيح بأول صلاة لسر الإفخارستيا، وسلمه للتلاميذ بعد أن غسل أرجلهم. وفيه حل الروح القدس على التلاميذ، وفى عليته كانوا يجتمعون، وكان المؤمنون جميعًا يأتون للصلاة.
نذكر أيضًا أسرة ليدية بائعة الأرجوان وبيتها الذي صار كنيسة. وكذلك أكيلا وبريسكلا و”الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا.) (1كو16: 19)، ومدح الرسول لهما، مع شكر كل كنائس الأمم. وأيضًا بيت نمفاس الذي صار كنيسة (كو4: 15).
كل هؤلاء لم يكونوا رهبانًا، بل كانوا أسرات مقدسة نذكرهم، ونذكر البيوت التي يكون لله نصيب فيها.
من حيث العبادة المشتركة التى تقوم بها الأسرة، وأصوات التراتيل والتسبيح التي تنبعث منه، واجتماعات الصلاة التي تضم شمل الأسرة كلها مع قراءة الكتاب.
انظروا ماذا يقول الرب في العهد القديم: “لتَكُنْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ عَلى قَلبِكَ. وَقُصَّهَا عَلى أَوْلادِكَ وَتَكَلمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ” (تث6: 6، 7).
فهل أنت كذلك! وهل كلمة الرب لها مكانة في بيتك.
وهل أولادك يعتبرونك مدرس الدين الأول بالنسبة إليهم؟
أم حينما يطلبون المعرفة الدينية، يخرجون خارج البيت يلتمسونها في الكنيسة وفي مدارس الأحد، شاعرين بغربة والديهم عن هذا المجال الديني…؟ إنك لو قمت بتدريس أولادك، وعمقتهم في الإيمان، لاعتبروك أبًا ليس حسب الجسد فقط، بل حسب الروح أيضًا…
أي والدين يقومان بعمل الإشبين الذي تعهدا به يوم استلما ابنهما مخلوقًا طاهرًا جديدًا من جرن المعمودية؟
الأب الذي يعلم أولاده، سيجد نفسه مضطرًا هو أيضًا أن يدرس لكي يعطيهم ما يشبعهم. وهكذا ينتفع روحيًا كما ينتفعون، وينمو بنموهم معه، وكذلك الأم…
تعجبني أم صموئيل النبي التي لم تبخل به على الله، إنما قدمته له، وألبسته جبة جميلة، وسلمته للكاهن والهيكل.
هل أنتم أيضًا تفرحون بتكريس أولادكم لخدمة الرب؟
فى أول العهد القديم، كانت الشريعة تقول: “قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ” (خر13: 2). وهكذا كان كل بيت فيه واحد، هو نصيب للرب. قدس لله. ما أجمل هذا.
أما الآن فما أشد الصعوبات التي يتعرض لها من يقصدون التكريس، والضغوط التي يلاقونها من والديهم، لمنعهم عن هذا الطريق الروحي. ولو قصدوا حياة العالم لفرحوا بهم!
إننا نريد أن تكون بيوتنا المسيحية مصدرًا روحيًا لأولادنا…
فهم يتلقون أول درس فى محبة الله، وأول تدريب عملي في ممارسة الحياة معه وفي التعلق بالكنيسة وأسرارها…
المفروض أن يكون الوالدان قدوة للبيت في كل عمل صالح، ونموذج طيب لحياة الفضيلة، يمتصون منهم الدين بطريقة التسليم، قبل أن يتلقنوه بطريقة التعليم…
نريد أمثلة من ماكرينا، وميلانيا، ومونيكا، ويوكابد…
نريد البيت الذي تسوده وحدانية الروح، وفضائل الأسرة.
فى المحبة، والتعاون، وروح الخدمة والعطاء والبذل، والعبادة المشتركة، واحترام الكل وإكرامهم، واحتمال الأخطاء…
انظروا كيف قيل في شروط الكاهن إنه يكون قد “دبر بيته حسنًا” (1تي3: 4). هذا التدبير الحسن هو تدبير روحي قبل كل شيء.
العجيب أن كثيرًا من الأمهات ومن الآباء يهتمون بصحة أولادهم الجسدية، ومستقبلهم العلمي، دون اهتمام بأرواحهم!
بينما الله سيسألكم عن أولادكم في اليوم الأخير… ويقول لكم: قد سلمتهم لكم عجينة طيعة في أيديكم، فعلى أي وضع قد شكلتموهم؟ انظروا قول الكتاب:
“أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش24: 15).
“هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ” (عب2: 13).
هذا هو البيت المقدس الذي له الطابع الروحي..
الذي نقول إن الله في وسطه، لأنه قال: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْا” (مت18: 20).
كل شخص فيه، يجذب الآخر إلى فوق. وإن سقط واحد من أهل البيت يقوم بسرعة، تشعله حرارة أقاربه…
هذا ونفرق بين الخط الدقيق الفاصل بين الحنان والحزم.
هناك حنان خاطئ، فيه تدليل ضار. هناك حزم خاطئ، فيه شدة وعنف. أما التدبير السليم فهو بينهما: حنان فيه حب حكيم يرفع إلى فوق. وحزم فيه حب أيضًا، يمنع من السقوط “أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ” (أم27: 6).
بودي كما قلت سابقًا أن نؤسس مدرسة للزواج.
فالزواج هو أيضًا يحتاج إلى تأهيل. يلزم الجدد فيه، أن يتعلموا الحياة، وأن يتلقنوا الصالح قبل أن يدركوه بخبرة قاسية، ربما بعد فوات الفرصة…
يحتاجون أن يتعلموا طبيعة العلاقة بين الخطيبين، وطريقة التعامل بين الزوجين، وطريقة حل المشاكل التي قد تنشًا، وطبيعة التعامل المادي في محيط الأسرة، وأسلوب تربية الأولاد، ونوع العلاقة بين الأقارب والجيران والأصدقاء، وكيفية المحافظة على الحياة الروحية…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الأسرة المسيحية”، مجلة الكرازة بتاريخ 14 نوفمبر 1980م.




