الأسرة الروحية السعيدة

الأسرة الروحية السعيدة[1]
بمناسبة عيد الأسرة، أحب أن أكلمكم عن:
الأسرة الروحية السعيدة
الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع:
ويجب أن تهتم الكنيسة بالأسرة كل الاهتمام حتى توجد جيلًا روحيًا يخاف الرب ويعبده بالروح والحق.
يبدأ هذا الاهتمام من فترة الخطوبة وما قبل الخطوبة، حتى يتم التوافق بين اثنين روحيين، يتحملان مسئولية إنشاء بيت مسيحي روحي.
وينبغي تعريف الزوجين الجديدين بطبيعة هذه الحياة الجديدة ومسئولياتها، لكي يسلكا فيها حسنًا.
تتكون الأسرة في نشأتها من اثنين اتحدا بالزواج.. والزواج ليس اتحادًا بين اثنين، وإنما بين ثلاثة، وثالث الزوجين هو الله.. هو طرف ثالث في الزواج..
لذلك عندما ينجب الزوجين ابنًا، فإن هذا المولود الجديد يكون ابنًا للزوج، وابنًا للزوجة، وابنًا لله…
الله هو الذي يوحد الزوجين بروحه القدس، فيصيران واحدًا في الإيمان وفي القلب والفكر، متعاونين في بيت واحد، بهدف واحد. إن هذه الوحدة تحتاج إلى تأمل…
توافق الزوجين
الأسرة المثالية ينبغي أن تبنى على أساس من التوافق.
وكما يقول البعض إن التزوج عبارة عن نصف يبحث عن نصفه الآخر..
إن الزوجين اثنان يعيشان معًا في بيت واحد، وفي حياة مشتركة طول العمر، فينبغي أن يكون التوافق بينهما تامًا.
إنهما مثل جوادين يجران عربة واحدة. ولا يمكنهما ذلك إلا إذا كانا سيرهما في اتجاه واحد، وبسرعة واحدة، وبقوة متكافئة. يسيران معًا ويقفان معًا، ويتجهان معًا نحو هدف واحد، ولا يضغط أحدهما على غيره، وقديمًا قال المثل:
من شروط المرافقة الموافقة.
ينبغي أن يوجد بين الزوجين توافق ديني وروحي.
يجب أن يكون الاثنان مسيحيين أرثوذكسيين سليمي العقيدة والإيمان، لهما حياة روحية مرتبطة بالكنيسة.
في بعض الأحيان لا يكون الاثنان من مذهب واحد، فينضم الطرف الآخر إلى الأرثوذكسية انضمامًا شكليًا رسميًا، لإتمام الزواج. وتظل عقيدته في داخل قلبه كما كانت قبل هذا الانضمام الصوري! ويبقى هذا الاختلاف المذهبي، وله آثاره العملية…
كذلك ينبغى أن يوجد توافق في الفكر، وفي المبادئ وفي التقاليد، وفي طريقة الحياة.
لأنه كيف يمكن أن يرتبط الاثنان بحياة واحدة، إن لم يوجد هذا التوافق؟! وكيف يسلك الاثنان في المجتمع بل وفي محيط الأسرة إن كان كل منهما له طريقة وله طريقته؟!
إن الاختلاف بين الزوجين يكون له تأثيره على الأولاد. إذ يختار الابن أي طريق يسلك، وبأية مثالية يقتدي، وأمامه متناقضات في حياة أبويه، بل إن اختلاف الأبوين في الأسلوب، يوجد اختلافًا في طريقة تربيتهما للأولاد.
وينبغي أن يوجد توافق في الطباع أيضًا.
إذ كيف يعيش طرف جاد جدًا، مع طرف مرح جدًا؟! أو كيف يعيش شخص مدقق جدًا، مع آخر في منتهى التساهل والتسامح والتهاون؟!
وكيف يعيشان إن كان أحدهما يميل إلى الهدوء الشديد، والآخر يميل إلى اللهو والصخب وكثرة الكلام؟!
كيف نحقق قول الرب “لا يصيران اثنين بل واحدًا”؟
مواقف الوالدين
وظيفة الوالدين في خطبة ابنتهما أو ابنهما، تكمن في العرض وفي الإرشاد، ولكنها لا يمكن أن تصل إلى الفرض أو الارغام.
من حقهما أن يرفضا زوجًا لا يجدانه مناسبًا، ولكن ليس من حقهما أن يفرضا آخر.
وحتى فى الرفض ينبغي أن يكون ذلك مبنيًا على أسس سليمة، وأسباب تستحق ذلك.
في موضوع الزواج وفي غيره، ليتذكر الأبوان قول الكتاب: “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا اوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كو3: 21).
بعض الآباء يفرضون خطيبًا عن طريق العنف والسيطرة، أو عن طريق الحزن والغضب والمرض، وإرغام الابن أو الابنة على القبول حرصًا على صحة أبيه أو أُمه. وقد يفرض الأبوان خطيبًا عن طريق الشك، إذ يتهمان ابنتهما مثلاً بأنها ترفض هذا الخطيب لأنها على علاقة بشخص آخر.. وقد يفرضان شخصًا عن طريق الإلحاح المستمر، ورفض باقي العروض…
كل أنواع الفرض لا يمكن أن تنتج زواجًا ناجحًا. الزواج الناجح يُبنى على التوافق والرضى والحب.
وقد يفرض الأب والأم أحد أقربائهما “ابن الأخ، ابن الأخت” أو أحد أصدقاء العائلة، أو شخصًا ثريًا لا يكلفهما شيئًا في الزواج، أو شخصًا له وظيفة أو ثقافة تروقهما.. إلخ
ولكن فليتذكر الأبوان أنهما لا يختاران ما يناسبهما هما، وإنما ما يناسب ابنهما أو ابنتهما.
إنها حياة الذي سيتزوج، وليس حياة الذي يختار فترة الخطبة.
الخطبة ليست سرًا من أسرار الكنيسة، وليست عقدًا بين الخطيبين إنما هي اتفاق، ووعد بالزواج.
وفترة الخطوبة هي فترة تعارف، وفترة ود وصداقة، وفترة إعداد للزواج.
والإعداد للزواج يفهمه البعض على أنه الإعداد المادي، من حيث تجهيز الأثاث والملابس وبيت الزوجية. ويدخل هذا الإعداد عند البعض في اتفاقات مالية، وانشغالات تلهيهم عن العنصر الروحي.
أما الإعداد الروحي الخاص بفترة الخطبة فهو إعداد الخطيبين لكي يصيرا واحدًا، وقلبًا واحدًا، واتجاهًا واحدًا، حتى يمكنهما أن يصيرا بالزواج جسدًا واحدًا، يضمهما بيت واحدًا.
ولا يمكن أن يتم هذا، إلا إذا كانت فترة الخطوبة فترة تعارف، يتعرف فيها كل من الخطيبين على الآخر، ويفهمه ويتفاهم معه، ويتأكد من توافق طبيعتيهما وإمكانية الحياة المشتركة. وإن لم يوجد التوافق يعملان على التوفيق.
هى فترة يحاول فيها الخطيبان أن يصلا إلى درجة من الصداقة والحب، يؤسس عليها الزواج، لأن الزواج الذي لا يبنى على التوافق والصداقة والحب، هو زواج فاشل.
وهذا التوافق بين الاثنين ينبغي أن يشمل الطباع، والثقافة، والسن، والمثاليات، كما يشمل الحياة الروحية بكل فروعها.
فترة الخطوبة تساعد على اختبار هذا التوافق، ولكن يحسن التأكد منه بقدر الإمكان قبل الخطوبة.
إنها مغامرة خطيرة أن يظن بعض الآباء أن هذا التوافق يأتي عن طريق الزواج والحياة المشتركة. فربما لا يأتي ويزداد الاثنان خلافًا فماذا تكون النتيجة؟!
يجب عل كل من الخطيبين أن يكون مفتوح العينين لماحًا مدركًا أهمية معرفته لمن سيشاركه الحياة كلها.
فترة الخطبة ليست فترة تمثيل، يحاول فيها كل من الخطيبين أن يبدو أمام الآخر في صورة مثالية ليست له، سرعان ما تنكشف بعد الزواج وتبدو الخدعة، فيتصدع الزواج…
إن الخطيب الذكي، والخطيبة الذكية يستطيع كل منهما أن يدرك في حكمة وفي وعي طباع زميله، إذ يستنتجها دون أن يشعره بذلك.
ومن الأخطاء التى تحجب البصيرة عن الرؤية الحقيقية في فترة الخطوبة. انشغال الخطيبين بنزوات عاطفية تشغل الحواس والعقل، فلا يلتفت إلى حقيقة خطيبه.
الخطيب الحكيم يحاول في هذه الفترة أن يتعرف على زميل الحياة المقبلة. يدرسه في عمق، ويرى هل يمكنه أن يعيش معه طول العمر في مودة.. يحاول أن يصادقه مصادقة حقيقية بريئة دون أن يفكر في أن يملكه في هذه الفترة.
فإذا أمكن بتعارف الخطيبين وودهما أن يصيرا واحدًا في الفكر وفي المشاعر وفي الطباع وفي الاتجاه، حينئذ يمكن أن يصيرا جسدًا واحدًا بالزواج.
وإن لم يتمكنا من هذه الوحدة القلبية، فالأفضل أن يتأجل الزواج ريثما تتم الوحدة، إن أمكن أن تتم.
إمتداد روح الخطبة
فى فترة الخطبة، يكون الخطيب أكثر رقة ومودة، وأكثر مراعاة لشعور خطيبته، وأكثر عملًا على إرضائها…
فلماذا لا تمتد هذه الروح بعد الزواج أيضًا؟!
كثيرًا ما نرى أزواجًا، يقل احترامهم لزوجاتهم، وتقل رقتهم، وتقل مجاملاتهم. ولا ترى فيهم زوجاتهم المعاملة الأولى المهذبة، المملوءة محبة وعطفًا وحنانًا وإرضاء.
كثير من الأزواج تسوء معاملتهم بحجة رفع الكلفة..
وباسم رفع الكلفة، لا يقول كلمة شكر لزوجته، ولا عبارة استئذان ولا لفظ مديح، وقد يمزح معها بفكاهات ثقيلة، وقد يسمح لنفسه أحيانًا بالتهكم. كما يسمح لنفسه أحيانًا بالتوبيخ الشديد والأسلوب القاسي…!
لماذا لا يعيش الرجل في الزواج بنفس روح الخطبة؟
وكذلك الزوجة لماذا لا تستمر كما كانت أثناء خطبتها؟
أثناء الخطبة كانت مطيعة هادئة، تبدو لطيفة على الدوام، تتحاشى الصوت العالي والغضب والخصام، تود المحافظة على الرجل ومحبته.. ليتها في الزواج تستمر بنفس الروح..
الزواج مسئولية
ليس الزواج مجرد علاقة اجتماعية أو عاطفية بين رجل وامرأة وإنما هو أيضًا مسئولية
إنه تكوين لأسرة ورعاية لأطفال، يربون فى خوف الله وينشئون تنشئة صالحة، لتكوين كنيسة مقدسة، ومجتمع صالح، ووطن متماسك.
إنها أمانة الجيل المقبل، توضع في أيدي الأزواج والزوجات.
سن الزواج
ينبغى أن يكون سن الزواج، هو سن نضوج ليس فقط النضوج الجنسي، وإنما أيضًا النضوج الفكري، والاجتماعي وسن القدرة على تحمل المسئوليات..
هذان الخطيبان سيصيران بعد زواجهما أبوين لطفل أو أطفال، يتحملان مسئولية تربيتهم. فيجب أن يكونا في سن النضوج الذي يسمح بتحمل مسئولية تربية الأطفال..
كما ستكون لهما أعباء اجتماعية، ومسئوليات عائلية ومادية واجتماعية تلزمهما الدراية بتصريف أمورها..
هذا النضوج هو الذي يساعد على حسن اختيار وقت الزواج، وعلى استمرار الحياة الزوجية هادئة وسليمة، والتغلب على ما يعترضها من مشاكل.
وهذا النضوج أيضًا يساعد على تحمل كل من الزوجين لمسئولياته بنفسه دون الحاجة إلى استشارة والديه والسير حسب توجيهاتهما، وما يتبع ذلك من مشاكل عائلية نتيجة لتدخل الصهر والحماة في شئون العائلة الجديدة الصغيرة.
إن السن الصغيرة عرضة للتقلب ولسرعة الانفعال، وللتصرفات الطائشة. وما أكثر أن تشتد فيها الخلافات الزوجية.
إنها سن تحتاج إلى رعاية، وليست سن تحمل مسئوليات، أو تدبير شئون أسرة، بروح الزوجية الحقة، والأبوة أو الأمومة..
لذلك من الخطأ أن يتم زواج بين أشخاص غير أكفاء لحمل مسئولية تربية جيل جديد..
ومن هنا كان زواج الصغار، لا يقع ضرره على الازواج والزوجات فقط، وإنما على نسلهم أيضًا..
ينبغي إذًا أن يكون كل من الزوجين في سن نضوج: نضوج روحي، وعقلي واجتماعي، وتربوي.
هذا النضوج يفيدهما في تفهم الحياة الجديدة، وفي العلاقات بينهما، وفي تربية الأولاد..
ويفيدهما أيضًا في العلاقات مع العائلات المجاورة ومع الأقارب.
كما أن الزواج يشمل أيضًا مسئوليات مالية.
تلزم الزوجين أن يتصفا بحسن التدبير، وبفهم للنواحي المالية وللأوضاع الاقتصادية.. كل ذلك يحتاج إلى نضوج، وإلى قدرة على مواجهة أعباء الحياة، وتحمل أحداثها ومفاجأتها وما فيها من تغير وتطور.
الحق والواجب
كل عضو في الأسرة له حقوق، وأيضًا عليه واجبات.
إن الكتاب الذي أمر المرأة بإطاعة الرجل، هو نفسه الذي أمر الرجل بمحبة المرأة كما أحب المسيح الكنيسة (أف5 :22– 25).
والكتاب الذي قال: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ” (أف 6: 1)، هو نفسه الذي قال: “لاَ تُغِيظُوا اوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كو3: 21).
إن المطالبة بالحقوق دون القيام بالواجبات، هو نوع من الأنانية وعدم التعاون. ومطالبة الطرف الآخر بواجبات دون إعطائه حقوقه هو نوع من الاذلال وعدم المحبة.
كنيسة البيت
ما أجمل قول بولس الرسول في رسالته إلى رومية: “سَلِّمُوا عَلَى بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ… وَعَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا” (رو16: 5)، وأيضًا قوله إلى أهل كولوسي: “سَلِّمُوا عَلَى الإِخْوَةِ الَّذِينَ فِي لاَوُدِكِيَّةَ، وَعَلَى نِمْفَاسَ وَعَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِ” (كو4: 15)، وكذلك قوله لفيلمون: “الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ” (فل1: 2).
هؤلاء صارت بيوتهم كنائس مثل بيت مريم أم مرقس الرسول (أع12: 12) وليدية بائعة الأرجوان.
وأنت إن لم توجد كنيسة في بيتك، فعلى الأقل هل يوجد للرب ولو ركن بسيط، فيه أيقونة وقنديل ومكان للصلاة…
هل بيتك بيت مقدس، للرب نصيب فيه؟
هل له صورة العبادة، وروح العبادة..
وإن كانت الكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين يعبدون الله بالروح والحق، فبيتك هو إذًا كنيسة بهذا المعنى تخرج منه صلوات وتسابيح وترتفع صلواته إلى الله كرائحة بخور.
إن تذكرت أن بيتك كنيسة فأذكر قول الكتاب: “بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ” (مز93: 5)
الحب والثقة
الأسرة لكي تحيا حياة مثالية ينبغي أن يجمعها الحب والثقة.
لا بد أن يجمع الحب بين كل أفراد الأسرة. الحب الأبوي، والحب البنوي، والحب الزوجي..
الحب يوجد جوًا من السلام في البيت، ويشعر الكل بالطمأنينة وبروح الصداقة والتعاون تجمعهم..
البيت المملوء بالنزاع والشجار يغرس الخوف في نفوس الصغار ويعقدهم من الحياة الزوجية.
البيت الذي لا يوجد فيه الحب، يوجد فيه الشك، وتفقد فيه الثقة، وبالتالي يفقد السلام.
كيف يمكن علاج هذا؟
ينبغي أن يعمل كل من الزوجين على تقوية الثقة التي تربطه بزميله: هو يثق، وأيضًا يكتسب ثقة الطرف الآخر به.
الثقة ينبغي أن تسبق الزواج، وتستمر فيه.
إذا فقد أحد الزوجين الثقة بزميله، قد تتحول حياتهما إلى شك وإلى عذاب.
إذا حدث شك، ينبغي أن يعالج “بالمصارحة الكاملة، وبالقضاء على الأسباب المؤدية إليه”.
سوء الظن مرض نفسي، إذا أصيب به أحد الزوجين يقوده إلى الشك ولكن بحسن النية، يحل الموضوع، وإلا فبالمصارحة.
لا يصح أن يفرض أحد الزوجين رقابة على شريكه فى الحياة، ويظل يزن كل تصرفاته وأقواله.
فليسلك الزوجان معًا ببساطة وحب، وليبرر كل منهما تصرفات شريكه تبريرًا حسنًا، ويلتمس له العذر في كل خطأ فهذا طريق إلى السعادة.
إن الشك نار للطريقين، سعيد من يهرب منها. والشك قصة طويلة لا تنتهي…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الأسرة الروحية السعيدة”، وطني 22 مارس 1998م.




