الأسرة الروحية السعيدة

الأسرة الروحية السعيدة[1]
بمناسبة عيد الأسرة، أود اليوم أن أحدثكم عن الأسرة الروحية السعيدة، وكيف تكون؟ وما هي دعائمها الاجتماعية والروحية، وما أسسها السليمة.
الأسرة الروحية السعيدة
الأسرة بمعناها الضيق زوجان، وربما أولاد. وبمعناها الأوسع أسرة كبيرة تشمل أسرات صغيرة متفرعة عنها، وبمعنى أوسع تشمل الكنيسة كلها أو الوطن كله، وبمعناها الكامل تشمل البشرية جمعاء.
أول شيء ينبغي أن تتصف به الأسرة، هو الحب:
والأسرة التي تفقد الحب، هي أسرة مخلخلة مزعزعة.
والحب يبدأ قبل تكوين الأسرة، من فترة الخطوبة، أو ما قبلها، مثلما أحب يعقوب راحيل، وتزوجها زواجًا كله حب..
وأقصد بالحب، الصداقة والمودة، والتعاطف وتآلف القلوب، وليس العبث العاطفي أو الجنسي. وبالمودة تتأسس الأسرة.
للأسف، أحيانًا تكون فترة الخطوبة، مجرد فترة لاتفاقات مالية حول الأثاث، والحفلة، والملبس، والمواعيد، والشقة، مع بعض ترفيهات، وينسى الخطيبان أن يكونا علاقة صداقة وود وتفاهم.
المحبة، إن وجدت بين الزوجين، يمكن أن توجد بين الأولاد.
أما إن وجد الأولاد مشاكل بين الوالدين، وألوانًا من الشجار أو الشتائم أو الخصام، فإن هذا يعطيهم فكرة سيئة عن الزواج والحياة الأسرية، وقد ينفرهم من الزواج أو يخيفهم منه، أو على الأقل يطلبون لأنفسهم مخرجًا من هذه الأسرة بالذات.
والمحبة في الأسرة، ينبغي أن تكون بالتساوي، بدون تحيز:
أما تعلمون كيف أن يوسف الصديق لما منحه والده قميصًا ملونًا في طفولته، أثار هذا حسد أخوته وحقدهم عليه، فدبروا له مشاكل! وتعلمون أيضًا أن مشاكل أخرى حدثت، لما اختلف الحب بين زوجين قديسين، فأحب إسحق عيسو، وأحبت رفقة يعقوب! وإنتهى الأمر بقول عيسو: “أقوم وأقتل يعقوب أخي”…
وكما يحب الزوجان أولادهما بالتساوي، ينبغي أن المساواة في الحب تكون بين باقي أفراد الأسرة: كالحب وتوازنه بين الزوجة والأم، أو كتوازن الحب بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة…
لو حدث فرضًا، خلاف بين زوجين، وبدأ التحيز، وأنضم فريق إلى هذا، وفريق إلى ذاك، يبدأ الشقاق حيئذ في الأسرة..
لا بد من المحبة الشاملة، والمحبة العادلة الكاملة، للكل… المحبة التي تستوعب الكل داخلها، بلا تفريق.
والخطورة أن بعض أفراد الأسرة، إن لم يجدوا الحب فيها، ربما يبحثون عن الحب في الخارج، وقد تحدث انحرافات…
إن كانت الزوجة لا تعطي زوجها الحب الكافي، ربما يبحث عن هذا الحب خارج البيت، مع الأصدقاء في المقهى، أو في النادي، أو في جمعية، أو في الترفيهات. وهكذا الزوجة بالمثل، قد تبحث عن الحب عند أمها وفي بيت أبيها…
مفروض أن الأسرة تعطي إشباعًا من الحب لكل أفرادها.
حبًا نقيًا عميقًا مخلصًا جادًا عمليًا، لا يحوج إلى غيره..
الإنسان السوي، الشبعان من الحب في البيت، ليس من السهل أبدًا أن ينحرف في الخارج. حتى إن حورب بعواطف معينة، تكون خفيفة لا تسحقه ولا تسيطر على كل مشاعره.
الأسرة السعيدة، تأتي سعادتها بالحب، وأيضًا بالتفاهم المشترك.
والتفاهم يحتاج إلى معرفة وحكمة، وطيبة قلب. كأناس يحاولون أن يعالجوا الخطأ بالعنف، بالأعصاب الثائرة، بالشتيمة والانتهار والغضب والتحطيم والتهديد والخصام! ولا يعالجون الخطأ بالتفاهم!
الإنسان الذي يتفاهم، هو صاحب القلب الكبير…
أما الذي يغضب، فهو إنسان قليل الحيلة… كل إنسان في الدنيا يستطيع أن يغضب ويرفع صوته، حتى الأطفال!
لكن الكبير القلب يقدر أن يتفاهم وأن يستوعب غيره.
نصيحتي لكل عائلة، أنها لا تحل مشاكلها بالأعصاب.
الأسرة السعيدة، لا تحل مشاكلها بالأعصاب، ولا بالسلطة.
عاملوا أولادكم بروح الصداقة والتفاهم، وليس بروح السلطة.
الأب والأم يكلمان أولادهما من مركز السلطة، وهكذا الزوج مع زوجته، وبالمثل الأخ الكبير مع إخوته وأخواته.
وأسوأ ما في السلطة أن تتدخل في الأمور الخاصة جدًا.
كأن ترغم الأم ابنتها أن تتزوج من ابن خالتها، أو يرغم الأب ابنه أن يتزوج من ابنة عمه أو عمته، أي كل منهما يريد أن يزوج أولاده من أقاربه، بغض النظر عن التوافق في هذا الزواج أو الرضى عنه! مع التهديد بقطع النصيب في الميراث، أو التهديد بعدم الصرف على الجهاز وتكاليف الزواج!
إن الكتاب كما يقول: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ” (أف6: 1)، قال أيضًا: “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا اوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كو3: 21).
فلا ترغموا أولادكم، في شئونهم الخاصة، ولا تتعبوا ضمائرهم باسم الطاعة، فإن الله نفسه لا يفعل هذا… إن الله يقدم لنا وصايا، ولكنه لا يرغمنا إرغامًا على تنفيذها…
لك أن تنصح ابنك أو ابنتك بما تراه خيرًا له، ولكن ليس لك أن تستخدم السلطة معه في كل شيء، وترغمه إرغامًا، وإلا تصفه بالعقوق وعدم الطاعة…
كن صديقًا لابنك، بطريقة تجعله يكاشفك بكل ما في داخله.
ويفعل ذلك بدون حرج وبدون خوف، ويستمع إلى نصحك بروح الاستفادة، ويناقش لكي يفهم، ولكي يقتنع فينفذ.
أما الأب الذي يتعامل بروح السلطة، والأوامر والنواهي، وعدم قبول النقاش، فإنه يدفع ابنه إلى الخوف أو الكذب، أو السلوك في البيت بأسلوب، وخارجه بأسلوب آخر.
لماذا لا يتعامل الابن مع أبيه، كما يتعامل مع مدرسه في مدارس الأحد؟ لماذا لا يصارحه؟ لماذا لا يسترشد به؟
إما لأنه غير واثق بروحياته وإرشاده، وإما لأنه خائف من سلطته… أو لأنه خائف بسبب خبراته السابقة معه، في استخدام أسلوب المنع بالأمر عن الكنيسة أو الخدمة أو الصوم!!
إن طرق الضغط والقمع في جو الأسرة، لا يأتي بنتيجة.
ليس من الصالح أن نمحو شخصية الأولاد، أو نعطل تفكيرهم الخاص، أو نحرمهم من فرصة اختبار الخطأ والصواب، في حدود، ونحرمهم من أن يتعلموا الحياة، تحت إرشاد وتوجيه…
أحيانًا يكون من أسباب فشل الأسرة، انعدام الحرية الشخصية.
ليس مع الصغار، بل مع الكبار أيضًا…
الزوجة تحاسب زوجها على دخوله وخروجه، ومواعيده، وتحاسبه بعنف إن تأخر ولو قليلًا، كما لو كانت تحاكمه… ويشعر الرجل أنه بالزواج قد فقد حريته الشخصية، أو أصبح تحت مراقبة! وقد يحدث هذا أيضًا بالنسبة إلى المرأة، وإذ تشعر أنها فقدت حريتها تمامًا في الزواج، تتعب نفسيتها…
التفاهم والاتفاق والصراحة أمور مقبولة، أما التحقيق الدائم فهو غير مقبول…
كذلك مما يحطم الحياة الأسرية جو النكد…
إن الزوج يريد أن يأتي إلى البيت، فيجد راحته، ويجد بشاشة وحبًا ينسيانه متاعب الحياة والعمل… أما إن وجد في البيت نكدًا وحزنًا وتجهمًا، والتحقيق معه، والبكاء والشجار… فإنه لا يجد لذة في البقاء كثيرًا في البيت. وتبدأ الأسرة تنحل…
لذلك احتفظوا ببشاشتكم وابتسامتكم دائمًا. احتفظوا بملامحكم مشرقة منيرة، هناك بعض مشاكل يمكن أن تحل بكلمة فكاهة، أو بعبارة طيبة، بروح البشاشة، في بعد عن الألفاظ الجارحة، وبروح الاحترام للكل، صغارًا كانوا أو كبارًا. نقول هذا لأن يظن أن الاحترام في جو الأسرة هو لون من الكلفة!!
يا ليت الهدية الأولى التي تقدموها في عيد الأسرة، هي باقة من حب ومن كلمات طيبة وألفاظ رقيقة مهذبة.
نقطة أخرى أنبه إليها، وهي روحانية الأسرة…
هل قمتم بعمل الأشبين في الأسرة بالنسبة إلى أطفالكم.
لقد تسلمتم أطفالكم من الكنيسة بملابس بيضاء يوم المعمودية، رمزًا لنقاوة الحياة الجديدة بإعتبار النفس عروسًا للمسيح، وكما قال الرسول: “لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ” (غل3: 27)
فهل حافظتم على نقاوة أطفالكم؟ هل علمتموهم مخافة الله ومحبته؟ هل قمتم بتحفيظ الأطفال آيات من الكتاب، وألحانًا وتراتيل؟ وهل علمتموهم الصلاة؟ وعودتموهم المواظبة على الكنيسة والتناول؟ وهل وجدوا في البيت حياة روحية، وقدوة في كل الفضائل؟
لقد تحققت فيكم عبارة “الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِكَ” (فل1: 2).
ليس هذا بالنسبة إلى الأطفال فقط، بل إلى الزوجين أيَضًا.
هل تعيشان معًا حياة روحية مشتركة؟ هل تصليان معًا؟ وهل لكما قراءة مشتركة في الكتاب وسير القديسين مع أولادكما؟
هل ينشأ أولادكم في هذه البيئة الروحية، ويرون فيكم روح الإيمان الحقيقي؟ أم أنتم تهملون في تربية الأولاد، ثم تشتكون منهم فيما بعد، وينطبق عليكم قول أحد القديسين: “أدبوا الأحداث قبل أن يؤدبوكم”…
إننا لا نتحدث فقط عن سعادة الأسرة، بل نتحدث أيضًا أولا عن قداسة الأسرة. وهذه القداسة هي مصدر سعادتها.
هنا وأحب أن أسأل: ما مركز الله في أسرتك؟
هل هناك مبادئ روحية تحكم العلاقات بين أفراد الأسرة؟ هل البيت فيه صلوات مشتركة، تعطي النفس استحياء إذا ما حدث سبب يدعو إلى الخلاف؟ هل ترفيهات البيت لها الطابع الروحي أم الدنيوي.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الأسرة الروحية السعيدة”، مجلة الكرازة بتاريخ 27 مارس 1981م.





