الأرواح جـ1
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة عن الإنسان وجوهر تكوينه من جسد ونفس وروح، موضحًا العلاقة المتكاملة بين هذه العناصر الثلاثة، ثم ينتقل للحديث عن الروح، وما أُثير حولها من أفكار فلسفية ودينية خاطئة، خاصة ما يتعلق بتحضير الأرواح وتناسخها ووجودها السابق.
أولًا: الجسد ليس شرًا في ذاته
يؤكد البابا أن الجسد مخلوق صالح، لأن الله لا يخلق شرًا. فلو كان الجسد شرًا، لما كان الله قد تجسد في جسد بشري، ولما قام المسيح بجسده من الأموات.
ويشرح أن الجسد يشترك مع الروح في العبادة والخدمة: فهو يسجد ويصلي ويعمل الخير. كما أن معجزات كثيرة تمت من خلال الأجساد، مثل عظام إليشع أو مناديل بولس الرسول، مما يبرهن على أن الجسد أداة مقدسة إذا خضعت للروح.
الشر لا يكمن في الجسد بل في انحراف استخدامه نحو الشهوات المادية. أما إذا سار الجسد في طريق الروح، فيصير جسدًا روحانيًا كما في القيامة.
ثانيًا: طبيعة الروح ومحدودية معرفتنا بها
يعلّم البابا أن الإنسان لا يعرف كل شيء عن الروح، بل من الحكمة أن يقول “لا أعرف” كما قال أيوب أمام الله. فسرّ الروح يفوق إدراك البشر.
كل ما نعرفه هو ما أعلنه الكتاب المقدس:
“يرجع التراب إلى الأرض كما كان، وتعود الروح إلى الله الذي أعطاها” (الجامعة 12:7).
ويضيف: نعلم أيضًا من الإنجيل أن الملائكة حملت روح لعازر إلى حضن إبراهيم، وأن اللص اليمين نال وعد المسيح: “اليوم تكون معي في الفردوس.”
أما غير ذلك من تفاصيل مثل “تجوال الروح حول الجسد” أو “بقائها أربعين يومًا”، فهي خرافات لا أساس كتابي لها.
ثالثًا: رفض النظريات الفلسفية عن الأرواح
يفنّد البابا الآراء الفلسفية التي تسربت من الديانات الوثنية، مثل فكرة أن الروح فيض من الذات الإلهية أو أنها تنتقل من جسد لآخر.
ويبيّن أن هذا الفكر دخل من الفلسفة اليونانية والهندية القديمة، وانتشر لاحقًا عبر بعض المفكرين مثل أوريجانوس الذي أدخل أفكارًا غير مستقيمة إلى الفكر المسيحي، مما جعل الكنيسة تحرمه رسميًا.
كما يشرح البابا أن أفلاطون كان يرى أن الروح كانت موجودة في عالم المثل ثم سقطت إلى الجسد، وأن الهنود ربطوا تناسخ الأرواح بفكرة “الكرمة” والجزاء. ويؤكد أن هذه كلها معتقدات وثنية لا تمت إلى الإيمان المسيحي بصلة.
رابعًا: موقف الكنيسة من علم الأرواح
يحذّر البابا من الذين يحاولون إدخال ما يسمى بـ“علم الأرواح” في العقيدة، موضحًا أن دراسة الظواهر النفسية أو الطاقات لا تعني أننا نتحدث عن الروح كما في الإيمان.
ويقول إن من الخطأ استخدام آيات الكتاب المقدس لتبرير العلوم الغامضة مثل تحضير الأرواح أو عودة التجسد، لأن هذا يؤدي إلى صراع بين العلم والإيمان.
خامسًا: تناسخ الأرواح وأخطاره
يفند البابا فكرة عودة التجسد (Reincarnation) موضحًا أنها مستحيلة بحسب الإيمان، لأن الإنسان يُخلق مرة واحدة وله حياة واحدة ثم الدينونة.
ويرى أن انتشار الفكرة منذ أيام المسيح نفسها (كما في ظن الناس أن يسوع هو إيليا أو يوحنا المعمدان) كان نتيجة أفكار شعبية خاطئة، لا عقيدة إلهية.
كما يشرح أن يوحنا المعمدان لم يكن هو إيليا المتجسد، لأن إيليا لم يمت بل صعد إلى السماء، ويوحنا نفسه نفى ذلك.
سادسًا: الفكر البدائي حول الروح
يتحدث البابا عن أصل الإيمان بوجود الروح عند الشعوب البدائية، الذين لاحظوا الفرق بين الجسد الحي والميت، فاستنتجوا أن هناك كائنًا غير مرئي يسكن الإنسان.
لكنهم خلطوا بين الروح والعقل والأحلام، فاعتبروا الحلم نشاطًا روحانيًا، واعتقدوا أن الأرواح تخرج أثناء النوم أو تحل في النباتات والحيوانات، مما أدى إلى عبادات وثنية وتقديس الأرواح والجدود.
سابعًا: الرد اللاهوتي الأرثوذكسي
الروح في الإيمان الأرثوذكسي مخلوقة من الله، وليست جزءًا من ذاته، وهي لا تتنقل بين الأجساد ولا تُستدعى ولا تتجسد من جديد.
الروح ليست مادة ولا طاقة كهربائية، بل كيان روحي ناطق عاقل خالد، خُلق ليحيا مع الله إلى الأبد.
ويؤكد البابا أن الإيمان المسيحي الحقيقي يقوم على القيامة والدينونة، لا على التناسخ أو التحضير.
خاتمة
يختم البابا شنوده بأن على المؤمن أن يطلب المعرفة من الكتاب المقدس وحده، لا من الخرافات أو العلوم الزائفة.
كل فكر لا يستند إلى وحي إلهي هو فكر مرفوض، لأن الروح الإلهية وحدها هي التي تهب الحياة والمعرفة.



