اغفر لنا كما نغفر..1

أبانا الذي في السموات
اغفر لنا.. كما نغفر..1
اعتراف من المصلى بأنه خاطئ ومحتاج إلى مغفرة
مغفرة المصلي للمسيئين إليه، شرط لنواله المغفرة
إننا نطلب مغفرة حتى عن الخطايا التي لا نعرفها
حاسب نفسك قبل الصلاة، حتى تصليها من قلبك
لا نبرر ذواتنا أمام الله، إنما نعترف ونطلب مغفرة
نتابع تأملاتنا في الصلاة الربية وكنا قد تحدثنا في العدد الماضي عن طلبة “خبزنا… أعطنا” وفى هذا المقال نود أن نتأمل معًا الطلبة الخاصة بالمغفرة وهي: أغفر لنا ذنوبنا “ما علينا” كما نغفر نحن أيضًا لمن أساء إلينا.
وأول ما نلاحظه في هذه الطلبة، أن المصلي يقف أمام الله كخاطئ، يطلب منه المغفرة. وقد علمنا الله أن نقف أمامه هكذا. كما أن القديس يوحنا الرسول يؤكد على هذا المعني فيقول:
“إن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا” (1يو1: 8). والقديس يعقوب الرسول يقول بالمثل “لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا” (يع3: 2). والقديس بولس الرسول يدعو نفسه “أول الخطاة” والكنيسة تعلمنا في صلواتها، أنه ليس أحد بلا خطية، وإن كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض.. لذلك نحن نقف للصلاة، نقول للرب “اغفر لنا”.. فهكذا علمنا..
إن كان أحد بلا خطية فلا داعي لأن يقول هذه الطلبة!
ولكن الكتاب المقدس سجل لنا خطايا وقع فيها الآباء والأنبياء، وقال “إن الخطية طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء” هذه الطلبة إذن، تعطينا فكرة أننا محتاجون إلى الخلاص كل يوم.. ولعل البعض يسأل هنا:
ما معنى الخلاص إذن والتجديد اللذين نلناهما في المعمودية؟
ما معنى عبارة “من آمن واعتمد خلص” (مر16: 16). وما معنى “جدة الحياة” و”صلب الإنسان العتيق!” (رو6: 4، 6)؟ وما معنى قول الرسول “لأن جميعكم الذين اعتمدتم للمسيح، قد لبستم المسيح” (غل 3: 27)؟
حقًا إننا نلنا كل هذا في المعمودية، ولكن هناك ملاحظة هامة وهي:
لقد أخذنا في المعمودية تجديدًا ولكن لم نأخذ فيها عصمة.
فلا يوجد إنسان معصوم، بل ما أعجب قول يعقوب الرسول عن القديس العظيم إيليا النبي “إيليا كان إنسانًا تحت الآلام مثلنا” (يع5: 17).
بعدم العصمة قد نسقط، وبالنعمة وعمل التوبة نقوم، ونقول للرب عن سقطاتنا “أغفر لنا”
إن الذي ترتفع نفسه فوق هذه الطلبة، يكون محاربًا بالبر الذاتي.
بل أن الصلوات التي وضعتها الكنيسة لنا في الأجبية، تدخل في تفاصيل كثيرة لهذه الطلبة، فنطلب من أجل مغفرة خطايانا وآثامنا وزلاتنا… من أجل الخطايا التي صنعناها بإرادتنا، والتي صنعناها بغير إرادتنا التي فعلناها بمعرفة والتي فعلناها بغير معرفة، الخفية والظاهرة… بل نطلب أيضًا من أجل السهوات والهفوات.
وفي تحليل نصف الليل الذي يتلوه الأب الكاهن، يصلي من أجل مغفرة “جميع سيئاتنا وزلاتنا وغلطاتنا وهفواتنا وآثامنا” الخطايا “الماضية والمستأنفة، الذاتية وغير الذاتية، الليلية والنهارية، الظاهرة والخفية” ضربة الشمال، وضربة اليمين..
حتى الخطايا التي لا نعرفها، نصلي أيضًا من أجل مغفرتها..
وقد صدق أحد القديسين حينما قال: إن الله لا يكشف لنا كل خطايانا دفعة واحدة، لئلا من هول بشاعتها نقع في اليأس وعدم الرجاء!
إنما يكشف لنا منها شيئًا فشيئًا حتى نقدم توبة وانسحاقًا. وكلما نمونا في الروح يكشف لنا عن خطايا أخرى ما كنا نعرف إننا ارتكبناها قبل أن نصل إلى هذا النمو…!
وكلما ازددنا معرفة بالطريق الروحي وكلما ازددنا عمقًا فيها، تنكشف نقائص في حياتنا نطلب عنها مغفرة.. بل ربما ما كنا نفتخر به – خطأ – من فضائل، تبدو أمامنا وكإنها نقائص في النمو الجديد…
إننا نطلب من الرب المغفرة لكل الخطايا، سواء كانت خطايا العمل أو الفكر أو الحس أو اللسان، أو خطايا القلب والنية…
ونطلب أيضًا مغفرة ما نكون قد نسيناه أثناء هذه الصلاة. وهناك ترجمات تقول في هذه الطلبة.
اغفر لنا ما علينا أو ما نحن مديونون به “اتركه لنا”
وذلك لأننا مديونون به أمام الله. وفي قصة المرأة التي غسلت قدمي المسيح بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، قال الرب لسمعان الفريسي. ” إنسان كان له مديونان، على الواحد خمسمائة دينار، وعلى الآخر خمسون، وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعًا” (لو7: 41). وبنفس المعني، ذكر السيد المسيح مثل العبد المديون المدان الذي سامحه سيده إذ لم يكن له ما يوفيه (مت18: 27).
كل منا يقف أمام الله مديونًا، عاجزًا عن وفاء ديونه، لأن أجرة الخطية هي موت، ولا وفاء إلا بتلك الفدية التي قدمت عنا على الصليب.. إذن في قولنا “أغفر لنا” نعني طلبنا بأن تمحي هذه الخطايا بالدم الكريم، ويحملها الرب عنا..
طلبة المغفرة ينبغي أن يقولها المصلي من كل قلبه.
لأنه في وقت السقوط، أو في ساعات التوبة، قد يصلي الإنسان من قلبه طالبًا مغفرة خطاياه.
أما في أوقات العزاء الروحي والنعمة، وفي أوقات الخدمة الناجحة والعمل لأجل الملكوت.. ربما في هذه كلها، لا يشعر المصلي بخطاياه ولا يذكرها، لأنه لا يتذكرها، البر الحالي الذي يعيش فيه، ينسيه الأخطاء التي وقع فيها…!
ولذلك فلكي لا يقع في البر الذاتي، ويظن في نفسه أنه شيء، وضع له الرب أن يصلي هذه الصلاة، حتى يذكر أنه خاطئ..
لذلك أجلس وحاسب نفسك..
تذكر خطاياك حتى تطلب من أجلها توبة. وأذكر أن بولس الرسول قال “أنا الذي لست مستحقًا أن أدعى رسولًا، لأني اضطهدت كنيسة الله “مع أن ذلك كان في الماضي، فعله لما كان شاول الطرسوسي.. ومع ذلك كانت خطيته أمامه في كل حين، تجلب له الانسحاق والشعور بعدم الاستحقاق، فيقول كنت من قبل “مفتريًا”.. ولم ينسها.
وداود النبي أيضًا بكى على خطاياه حتى بلل فراشه بدموعه، كل ذلك بعد أن أخذ وعدًا بالمغفرة، لأنه قبل ذلك ما كان يدري تمامًا ما هو فيه إلى أن نبهه ناثان..
وما أجمل قول القديس الأنبا انطونيوس في تذكر الخطايا:
إن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله. وإن نسينا خطايانا يذكرها لنا الله..
فما أعمق ذلك الإنسان الروحي، الذي مهما نال من مغفرة وخلاص، لا ينسي مطلقًا أنه خاطئ، ليس فقط بالنسبة إلى القديم، وإنما بالنسبة إلى الحاضر أيضًا. لأنه بهذا الأمر قد تبرر العشار دون الفريسي. الفريسي لم يقل مطلقًا في صلاته “اغفر لنا”. بل قال ذلك العشار في طلبته المنسحقة. وقد ضرب الرب لنا هذا المثل حتى يكون لنا أنموذجًا في حياتنا الروحية.
بل مبارك من يشعر أنه أكثر خطية من غيره.
يري دائمًا الخشبة التي في عينه، قبل أن يتأمل القذي التي في عين أخيه.. لذلك فإن الذي يصلي قائلًا “أغفر لنا”، لا يمكن أن يقع في إدانة غيره، أن كان يطلب هذه الطلبة من عمق قلبه.. إنه لا يدين غيره، إنما يطلب لغيره المغفرة كما يطلبها لنفسه. وبنفس الوضع لا يطلب النقمة لمن أساء إليه، بل المغفرة..
الإنسان الروحي يشعر أنه أكثر خطية من غيره. علي الأقل لأن الذي يعرف أكثر يطالب بأكثر.. ربما غيره أخطأ عن جهل، أما هو فعن معرفه. ربما غيره أخطأ عن ضعف، أما هو فبلا عذر.
نلاحظ هنا أن المصلي لا يبرر ذاته دائما إنما يطلب المغفرة.
إن أمنا حواء لم تقل “أغفر لنا”، ولا قال أبونا آدم هذه الطلبة، إنما حاول كل منهما أن يلتمس عذرًا لنفسه، أو يلقي بالمسئولية على غيره، إنما المصلي هنا لا يبرر ذاته. إنه يعترف تماما أنه مخطئ، وأن ما يلزمه ليس الأعذار، وإنما المغفرة. لذلك فهو يطلبها دون أن يبرر ذاته، أو ينفي المسئولية عن نفسه..
ونحن نطلب المغفرة عن كل الخطايا، سواء التي أخطأنا بها إلى الله، أو إلى أخوتنا من البشر.
فالخطية موجهة أصلًا إلي الله.
والمرتل يقول في المزمور الخمسين “لك وحدك أخطأت والشر قدامك صنعت” إن كل خطية هي عصيان لله، وعدم محبة له، وكسر لوصيته حتى التي طالبنا فيها بمحبة القريب. فحينما نخطئ إلي البشر نكون قد أخطأنا إلي الله أيضًا.
ولذلك فنحن نطلب منه المغفرة وليس منهم فقط.
ونحن بهذه الطلبة تتذكر صفة في الله وهي أنه غفور.
لولا أن الله غفور ما كنا نطلب منه المغفرة..
إننا نذكر وعوده التي قال فيها “من يقبل إلى لا أخرجه خارجًا” ونتذكر وعوده في سفر إشعياء حينما قال “هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج..” (أش 1: 18).
بل نحن واثقون أننا حينما نطلب المغفرة سنبيض أكثر من الثلج” (مز 50) ونذكر قول داود النبي عن الرب: “لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. بل مثل ارتفاع السموات عن الأرض، قويت رحمته علي خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب أبعد معاصينا. لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن” (مز 103).
ولكن كيف يغفر الرب؟
هنا توجد شروط:
الشرط الأول هو: كما نغفر نحن أيضًا لمن أساء إلينا وماذا أيضًا؟
يبدو أن الضرورة تلجئنا أن نرجئ هذا الحديث إلى العدد المقبل إن شاء الرب وعشنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 9-8-1981م




