أعطني قلبك
| الكتاب | أعطني قلبك |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 22727/ 2021 |
| الترقيم الدولي | 978-977-334-282-1 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده 
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
أعطني قلبك
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يتشرَّف "مركز معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة
في هذا الكتاب يكلِّمنا البابا شنوده عن أهمية القلب وعلاقته بالمشاعر والفكر والإرادة واللسان، وعلاقة القلب بعمل الإنسان الروحي، وحياة الإيمان العملي والحياة بالوصية الإلهية، ولذة العبادة والتلذُّذ بالصلاة والصوم والعطاء ومشاعر الاشتياق لله، والتوبة حيث أنها رجوع القلب لله وانتزاع شهوة الخطية من القلب وزرع شهوة البِر به، وأن القلب هو السبب في الخطية أو البِر.
ويكلِّمنا أيضًا عن أنواع القلب الصالح والطالح، والمتواضع والنقي، والقلب الكبير والقلب العطوف والشفوق.
ويشرح لنا أمراض القلب الروحية والنفسية: من القساوة والكبرياء ومصادِر كل منها وأسبابه ومظاهره، ثم يتدرَّج بنا إلى أساليب وخطوات العلاج: من اتِّضاع وطول أناة، والهدوء وكيفية اختبار القلب وفترة الاختبار، وفوائده ووسائله ومجالاته، واكتشاف نقطة الضعف في الإنسان لمحاربتها، وحياة الهدوء في القلب والفكر، وكيف يصل الإنسان إلى نقاوة القلب التي بها يعاين الله.
ونتمنى لك أوقاتًا مباركة مع هذه الكنوز الثمينة لتكون لنا جميعًا فُرَص للتمتع بالعشرة الإلهية وتحويل قلب الإنسان إلى مسكن لائق لحلول الله فيه بتحويل هذه الكلمات إلى حياة مقدسة كما قال رب المجد: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ". بشفاعة ذات الشفاعات معدَن الطُهر والجود والبركات والدة الإله القديسة الطاهرة مريم العذراء وبصلوات مثلَّث الرحمات البابا شنوده الثالث نفَّعنا الله ببركاتهم
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول السيد المسيح منفتح القلب
المسيح منفتح القلب
كان المسيح منفتح القلب يحب البشرية كلها دون فارق من الجنس أو اللون. لقد تغنى المسيح بأنشودة جديدة هي أنشودة الحب والقلب الكبير الذي يدخله الناس جميعًا.
لقد كان من بين صفات السيد المسيح في المحبة الانفتاح على الكل... قلبه منفتح على الكل، مفتوح لكل قريب وغريب، لقد أدخل مبدأً جديدًا لم يكن موجودًا في الأمة اليهودية، فالشعب اليهودي كان وما يزال منغلقًا على نفسه، وتشعر الأمة اليهودية أن الله لها وحدها وليس له اهتمام ببقية الناس... فجاء السيد المسيح في ذلك الوقت... وقت الانغلاق الذي اتخذته الأمة اليهودية وانفتح على الأمم كلها، الغرباء الذين ليسوا من أصل يهودي.
منفتح القلب لكل الأمم
فعندما شفى ابن قائد المئة قال للناس الحق أقول لكم إنني لم أجد في إسرائيل كلها من له إيمان مثل إيمان هذا الرجل، "أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (لو7: 9)... وانفتح قلب المسيح في المشارق والمغارب لكل أمة، لم يصرفه عن هذا الانفتاح فارق من الجنس أو اللون أو الوراثة، وأعطى الأمثلة أنه ينبغي الانفتاح على كل الناس وعدم التحوصل كالأمة اليهودية المتحوصلة البعيدة عن كل الناس... ويقول لتلاميذه: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). لقد فتح قلوب تلاميذه للناس جميعًا في أقصى الأرض، "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
هكذا كان المسيح مفتوح القلب لكل إنسان... كل إنسان يستطيع أن يجد له نصيبًا في قلبه، منفتحًا على جميع الناس من كل نوع حتى الذين كانوا ينتقدونه ويعادونه مثل الفريسيين، فقد كان الفريسيون يناصبونه العداء ويحرجونه بالأسئلة ويتهمونه ومع ذلك أحبهم.
وأغلقت مدينة السامرة أبوابها في وجهه فأراد التلاميذ أن يغلقوا قلوبهم في وجهها... فوبخهم المسيح وقال لهم أنه يفتح قلبه لهذه المدينة التي أغلقت بابها في وجهه. وسار ست ساعات ليصل إلى السامرة لكي يهدي المرأة السامرية عند البئر.. والسامرية ذهبت إلى المدينة وأهل المدينة كلموه وبدأوا يؤمنون به.. وانفتحت السامرة أمام المسيح.
لقد ظل يبحث عن القلب المغلق حتى فتحه، لقد كسب السامرة.. ترى لو ظل تلاميذه في حالة الانغلاق.. هل كانت تؤمن السامرة؟ لقد آمنت السامرة فيما بعد، ودخلت في الإيمان وانفتح لها قلب المسيح.
منفتح القلب للعشارين والخطاة
العشارون وهم خطاة من أشد الناس خطية... انفتح لهم أيضًا قلب المسيح، وكان يأكل معهم ويشرب ويحضر ولائمهم لدرجة أن الناس وجهوا له اللوم.. كيف يتكئ في بيوت هؤلاء الخطاة؟ ولكنه كان يريد أن يخلصهم ويدخلهم ملكوت الله "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى.. لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مت9: 12، 13).
وتسألوا كيف يكلم النسوة الخاطئات؟! ولكنه القلب المنفتح للخطاة والمنبوذين.. كان عجيبًا في انفتاحه على الطوائف المنبوذة... المرأة في المجتمع اليهودي لم تكن لها قيمة.. وتعجب تلاميذه أنه يتكلم مع امرأة!
وفي بيت الفريسي عندما جاءت المرأة الخاطئة وبللت قدميه.. كيف يسمح لامرأة من هذا النوع أن تمسّ قدميه؟
لكن المسيح أظهر أن هذه المرأة أفضل منهم... وهكذا عطف على جنس المرأة، ويتجلى هذا أيضًا في موقفه من المرأة الخاطئة الأخرى، فقد قال: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو8: 7).
وهكذا نجد نساء كثيرات يتبعنه ويخدمنه، وعند صليب المسيح وقفت النسوة، وفي ثالث يوم ذهبن للقبر يحملن الطِيبَ.. هذا هو القلب المفتوح للمرأة.
المسيح يمثل القلب المنفتح للكل، يحب كل أحد ويسعى وراء كل واحد ولا ييأس من محبة أحد...
يسعى وراء كل أحد
ولم يكن من النوع المنغلق في موضع معين، لا يجلس في مكان ليذهب إليه الناس، إنما كان يذهب للناس يجري وراءهم ويزورهم مثل عرس قانا الجليل، ووليمة متى العشار، ومثل ذهابه إلى بيوت كثيرة مثل البيت الذي انزلوا المفلوج من سقفه، كان يتحرك إلى الناس ولا ينتظرهم يأتون إليه.
كان عنده عنصر المبادرة، يبادر ويذهب للناس ويكوّن علاقات مع أنواع كثيرة من الناس... ولا تتصوروا أنه كان محاطًا بالأتقياء والأبرار، بل كان يقابل الخطاة والأشرار ويعيش مع كل الناس، كان كثير الأسفار وكثير التنقل يبحث عن الناس، كان يجول يصنع خيرًا، كانت حياته فيها حركة وبركة... يتنقل من مدينة إلى مدينة ويشفي ويكوّن علاقات محبة ويتجاوب مع الناس فيفتحون قلوبهم إليه، ويصبح هناك ود متبادل...
كما قال عبارة جميلة: "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ" (يو17: 23) وقال لتلاميذه: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو15: 4).. اثبتوا فيَّ كما تثبت الأغصان في الكرمة.
كان كل شخص يستطيع أن يجد له نصيبًا في قلبه وعشرته والحياة معه ونصيبًا من حبه، لقد أحب خاصته الذين في العالم. أنتم تعرفون أنه كان يكره الغنى والمال وكان يقول ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله، ومع ذلك نرى السيد المسيح يفتح قلبه لهؤلاء الأغنياء ويتضح هذا عندما أتاه الشاب الغني ويقول الكتاب: "فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ" (مر10: 21).
منفتح القلب للصغير والكبير
كان يفتح قلبه لكل أحد مهما كان كبيرًا أو صغيرًا... ومهما كان مركزه، لقد أحب الأطفال وكان يقول: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت19: 14).. وفي إنجيل مرقس يقول إنه كان يحتضن الأطفال (مر10: 16)، وهكذا نرى هذا القلب مفتوحًا لكل أحد... يحب الكل ويسعى إلى الكل، ويبادر إلى الكل، ولا ييأس حتى ممَن يغلق بابه. كما لم ييأس من محبة مدينة السامرة والأمم الغرباء... صدقوني حتى الذين قاوموه أكبر مقاومة فتح قلبه لهم.
منفتح القلب حتى لمقاوميه
كم من كلامٍ عجيب قاله ليهوذا حتى يتوب... وعندما أتى ليسلمه ويقبله قال له: "يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟" (مت26: 50)، "أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟" (لو22: 48). وقال للص الذي كان مصلوبًا معه: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43). والذين صلبوه هتف من أجلهم: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34).
وبعد قيامته ظهر للكثيرين الذين قاوموه وأدخل الكثيرين منهم في الإيمان، قائد المائة الروماني الذي طعنه بالحربة تحول إلى مؤمنًا ومات مؤمنًا... كان قلبه منفتحًا على الكل.. لا يغلق قلبه في وجه أحد ولا يعيش في حياة منعزلة عن الناس. سفر النشيد يقول عنه: "هُوَذَا آتٍ طَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ، قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ" (نش2: 8)، ويقول: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20).
وهناك من يعيشون في حياة انعزالية بعيدين عن غيرهم لا يتجاوبون معهم... افتحوا قلوبكم على آخر ما تستطيع أن تُفتح... افتحوها لمن يطرق على أبوابها... افتحوا قلوبكم ولا تعيشوا منعزلين.
وهناك نوع منفتح، فإذا قوبل بصدمة انغلق وتعقد!! لا... إن الناس يختلفون، فيهم الحلو والمر، عاملوا الناس وخذوا الخير الذي فيهم... أما الشر فصلوا لكي ينجوا منه... أحبوا الكل ولا تعيشوا منعزلين فإن المسيح لم يعش منعزلًا، كان محبًا ومحبوبًا ويفتح قلبه لكل أحد.
كان المسيح يمثل الرجل البسيط المنفتح... يجلس مع الناس على الجبل في عظة الجبل، وعلى شاطئ البحيرة، ووسط الحقول... ويقول: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا"، ويقول: "تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ" (مت6: 26، 28). ويمشي في الشوارع والبرية، في القفر والجبل، يدخل البيوت، يعيش مع كل الناس يعايشهم وينفتح لهم.
هكذا كان المسيح في انفتاحٍ نحو الكل، وكان يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).. كان الذي لا يجد أحدًا يهتم به يجد الاهتمام من المسيح، كان يهتم بالكل... يفتح فمه وعاطفته للكل، لم يعش إطلاقًا وحده، كان يمثل الشخص الذي يحب الناس ويعيش في وسطهم وزحامهم ومحبتهم لدرجة أن زكا لم يستطع أن يراه وسط الزحام فصعد إلى الجميزة ليراه، وفي وسط الزحام لم يكن ينسى أحد... فهو يهتم بكل فرد وكل قلب.
المرأة نازفة الدم استطاعت وسط الزحام أن تلمس ثوبه وأن تأخذ شفاء لنفسها وجسدها وبركة منه ولم ينسها.
كانوا يميزونه في اليهودية بأنه الشخص الذي حيثما يسير تجتمع حوله الناس وتزحمه، وقليلًا ما يجدونه وحده...
كانت له جاذبية عجيبة تجذب إليه الناس، لقد قرأت وأنا صغير قصة الموسيقي الذي كان يحب الأطفال، ودخل مدينة يغني فيجتمع حوله الأطفال ويسيرون خلفه حتى التف أطفال المدينة كلها والناس من حوله.
أنشودة الحب
السيد المسيح كان هكذا.. يغني أنشودة الحب الجديدة ويعلمها للناس: أحبوا بعضكم... وصية جديدة أعطيكم.. لقد أعطانا أغنية جديدة هي أغنية الحب. أغنية القلب الواسع الكبير الذي يدخل فيه كل أحد.. لقد أحب الناس المسيح وأحبوا مبادئه الجديدة التي تختلف عن مبادئ اليهود المعاصرين له الذين كانوا منغلقين على أنفسهم يظنون أن الله لهم وحدهم فقط! وهم المؤمنون فقط وليس باقي الناس، ويظنون أن باقي الناس محرومون من الله وأنه لا نصيب لهم في الله، إنه حكر عليهم ووقف عليهم!
جاء المسيح وكَسر هذه الحواجز التي تفصل الله عن الناس.. الله لكل الناس يأتون من المشارق والمغارب ويتكئون في أحضان إبراهيم (مت8: 11).
وهكذا خرج المسيح من أورشليم والسامرة وذهب شرقًا وغربًا إلى بلاد لم يفكر اليهود يومًا أن الله يقبلها، لكن المسيح جاء يحطم التقاليد الخاطئة التي صنعوها وانغلقوا بها... لقد ظنوا أن الله يدخل معهم في التحوصل. لقد قال الله: أنا أحب الكل... أحب الروماني، والمرأة الكنعانية، والسامرية، وكل إنسان له نصيب في قلبه. هذا هو المبدأ الجديد الذي قدمه المسيح في محبته... الانفتاح على الكل.
بهذا الشكل نطلب أن يكون كل إنسان منّا منفتحًا على غيره... كل إنسان يسأل نفسه... هل محبتي في دائرة ضيقة أم تتسع وتتسع حتى تصبح بغير أسوار ولا قيود؟
هل محبتي قاصرة على أسرتي وأصدقائي والناس في العمل والكنيسة أم محبتي لجميع الناس؟
نرجو أن نعيش في هذه الحياة المملوءة حبًا كما أحب المسيح الكل.
الفصل الثاني أهمية القلب
أهمية القلب
كما أن القلب مصدر هام لحياة الجسد، كذلك له أهميته في الحياة الروحية، وفي الحياة الاجتماعية في كل التعاملات مع الناس.
القلب هو مصدر لكلِّ الفضائل، وأيضًا مصدر لكلِّ الرذائل، فمنه يصدُر كل شيء. وهو الذي يعبِّر عن حقيقة الإنسان، وعن خفاياه ونواياه. هو مركز المشاعر، ومركز العواطف، ومركز الحب.
لا بد من الاهتمام بالقلب لأن كل كلمة تتفوَّه بها صادرة من القلب، "الإنسان الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإنسان الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت12: 35). يقول الرب: "بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت12: 37).
اجعل قلبك هو القائد لك في كل فضيلة. وسنرى الآن علاقة القلب بالمشاعر، وباللسان والفكر والإرادة، وعلاقته بالتوبة والعبادة وكل تفاصيل الحياة مع الله.
القلب مصدر المشاعر
القلب مصدر المشاعر، لذلك يقول الكتاب المقدس: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم4: 23). فالقلب إذا صلُح صلُحت حياة الإنسان، وإذا فسَد، فسَدَت حياته. وينطبق ذلك على سائر الفضائل.
فيه الحنو والطيبة، أو فيه القسوة والشدة. فيه الإيمان والثقة، أو فيه الشك وفقدان السلام. فيه التواضع والوداعة، وفيه الكبرياء والخيلاء. فالاتضاع ليس هو أن يقول إنسان بلسانه كلام اتضاع، كأن يقول: "أنا خاطئ وضعيف. أنا لا أستحق شيئًا"! فقد يقول هذا، بينما لا يحتمل مطلقًا أن يقول له أحد الناس: أنت خاطئ أو أنت مخطئ. إنما التواضُع الحقيقي هو تواضُع القلب، أما الكبرياء فهي ارتفاع القلب أو تشامخ القلب. هي إذًا خطية داخل القلب، قبل أن تتَّخِذ أي مظهر خارجي.
القلب أيضًا فيه الخوف، أو فيه الاطمئنان. أمرٌ واحد يحدث لاثنين: أحدهما يخاف ويرتعش ويتخيَّل له نتائجَ مرعبة، بينما الآخر يقابله بكل سلام وثقة في أنه سينتهي بخير، ويفكِّر في هدوء كيف يتلافى نتائجه السيئة. حسب قلب كل واحد من الاثنين، تكون مشاعره. إن القلب يشمل كل شيء فيك ومنك.
كل الخير الذي فيك مصدره القلب، وكذلك كل الخطأ.
كلمات لسانك نابعة من قلبك، لأنه من فيض القلب يتكلَّم اللسان، وكذلك أفكارك، إن كان في قلبك حب، يظهر الحب في معاملاتك، إن كانت في قلبك عداوة أو كراهية، يظهر كل ذلك في تصرفاتك، بل يبدو ذلك في لهجة صوتك، وفي نظرات عينيك. ومصدر كل ذلك هو القلب.
إلاَّ لو كان في القلب رياء أو نفاق ويُظهِر الإنسان غير ما يبطِن وذلك أيضًا ينكشف.
القلب والفكر
القلب والفكر يعملان معًا، كل منهما سبب ونتيجة. مشاعر القلب تسبب أفكارًا في العقل، والأفكار تسبب مشاعر في القلب. إذا اشتهى القلب خطية، فإن هذه الشهوة تجلب للعقل أفكارًا من نوعها. وإذا فكر العقل في خطية، تنتقل إلى القلب مشاعرها وشهواتها.
إذًا إن أردت صلاحًا لقلبك، اِبعد عن مصادر الفكر الخاطئة، اِبعد عن الأفكار التي تأتيك من القراءات الخاطئة أو من الحواس، أو من المعاشرات الرديئة، أو من مصادر أخرى. حينئذ لا تضغط الأفكار على قلبك، وحينئذ تصل إلى استقامة القلب وصلاحه. إن الوجوديين الذين رفضوا الله بقلوبهم، دخلت أفكار الإلحاد إلى أذهانهم. الإلحاد إذًا قد يكون من القلب والفكر معًا. ربما تكون بينك وبين إنسان محبة. ويأتي ثالث فيغيِّر فكرك من نحوه! تجد قلبك قد تغيَّر أيضًا من نحوه.
ومع تغيُّر قلبك، تتغيَّر أيضًا ملامحك وكلماتك ومعاملاتك!
وفي الناحية الدينية، تقول: أريد أن أعطي قلبي لله، أقول لك: أعطه فكرك أيضًا، لأنه حسبما يكون قلبك، يكون فكرك. وحسبما يكون فكرك، يكون قلبك أيضًا. ومكتوب في توراة موسى النبي: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث6: 5). إن تجديد الذهن يجلب تجديد القلب. إن دخلَت إلى ذهنك أفكار جديدة، اقتنَعْت بها وآمنْت بها، ستجد نفسك قد تغيَّرت تبعًا لذلك شكلًا وقلبًا. وتجد ضميرك قد سلك في نوعية جديدة يقود بها قلبك. وبتغيُّر الفكر والقلب، يتغيَّر أسلوب اللسان أيضًا. وكل هذا لا بد أن يؤثِّر على الإرادة.
القلب والإرادة
إذا ملأَت محبة الله قلب إنسان، فإنه لا يستطيع أن يخطئ. لأن محبته لله تسيطِر على تصرفاته، فتتجه إرادته نحو الله بالكلِّية. أما إذا كان القلب غير كامل في محبته لله، فإن إرادته تكون متزعزعة. تتصرَّف حسب التأثيرات الخارجية عليها، إن خيرًا وإن شرًا. فإن كان كل القلب لله، تكون كل الإرادة لله. أيضًا إن كان القلب يتميز بالجدية والتدقيق، والالتزام بالقيم والمبادئ، فإنه على حسب تمسكه بكل هذا تكون إرادته قوية. أما القلب المتقلِّب فتكون إرادته متقلبة. هناك ارتباط إذًا بين القلب والفكر، وبين القلب والإرادة، وبين القلب والفضيلة. وهناك ارتباط بين القلب واللسان.
القلب واللسان
من فيض القلب يتكلَّم اللسان. الإنسان الصالح، من كنز قلبه الصالح يتكلَّم بالصالحات. والإنسان الشرير مما يكنِزه في قلبه الشرير يتكلَّم بألفاظٍ شريرة. من ثمارهم تعرفونهم. إلا لو كان الكلام رياء، وليس من القلب، أي أن يتكلم الإنسان بغير ما في قلبه، أو بعكس ما في قلبه، وفي هذه الحالة إن قال كلمة طيبة بفمه، وقلبه عكس ذلك يحاسبه الله على ما في قلبه، ويضاف إليه خطية الرياء أو النفاق.
الله الذي يحاسبِك في اليوم الأخير، هو فاحص القلوب. وهو العارف بالمشاعر والنيات. والكلام الليِّن وحده لا يأتي بنتيجة، إن لم يكن صادرًا عن مشاعر حقيقية في القلب وإلاَّ فإنه ينطبق عليه قول المزمور: "أَلْيَنُ مِنَ الزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ، وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ" (مز21:55).
قد تعتذر لإنسان، فلا يقبل اعتذارك. لأنه يحس تمامًا أن كلماتك ليست صادرة من قلبك، وأنها مجرَّد كلام!! تتأسَّف له بلسان. بينما نبرات صوتك ذاتها لا تعبّر عن أسف أو ندم! لأنها غير مختلطة بمشاعر القلب، رخيصة وغير مقبولة! والإنسان الحساس اللمَّاح، يستطيع أن يكشف حقيقة الكلام، وهل هو صادر من القلب أم لا؟
سواء كان كلامك مديح، أو كلام اعتذار، أو كلام نُصح، فإن نبرات الصوت تكشفه، وملامح الوجه تكشفه، وكذلك نظرات العينين. وما هو داخل القلب، يمكن إدراكه ومعرفته، ولا يمكن للألفاظ أن تخفيه.
الفصل الثالث القلب والعمل الروحي
القلب والعمل الروحي
الحياة الروحية، ليست ممارسات في العبادة، أو فضائل ظاهرة، إنما هي حياة قلبية. حياة قلب يرتبط بالله بعلاقة حب، تنبع منها علاقة طاعة وخشوع. وكل ما يتَّصف به الإنسان من فضيلة وعبادة، إنما هو نابع من قلبه، ومن حب هذا القلب للخير.
فالحياة الروحية إذًا، ليست هي ممارسات من الخارج، ولا هي وصايا تُنفَّذ لأجل الطاعة. إنما هي قبل كل شيء حياة القلب مع الله.
القلب عمله الأساسي في الروحيات، ولعل في مقدمة ذلك عمله في التوبة، وعمله أيضًا في الفضائل، وعمله في العبادة.
القلب والحياة مع الله
يقول الرب: "يا اِبني أعطني قلبك". ويقول له الإنسان: مَن يا رب الذي يعطي الآخر؟ أنا أعطيك قلبي أم أنت تعطيني قلب من عندك. يقول داود النبى: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز10:51).
المدهش والعجيب. أن الرب يستجيب، ويقول في سفر حزقيال: "وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ. وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي" (حز36: 26، 27).
القلب والإيمان
إنسان يردِّد قانون الإيمان (بالحقيقة نؤمن بإله واحد. إلخ)، إنما الإيمان داخل القلب. كان السيد المسيح يسأل في حالات طلب الشفاء: أتؤمِن؟! وبطرس الرسول الذي لا يستطيع أحد أن يقول إنه لا يؤمن بالمسيح، بدليل إنه تمشَّى معه على البحر، لكن عندما أتت الأمواج وهاجت، سقط. فالسيد المسيح جذبه إلى فوق قائلًا: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت 14: 31).
هنا الإيمان ليس مجرَّد عقيدة، الإيمان هو الإيمان العملي الذي يظهر في حياة الإنسان، إيمان من القلب.
تبدأ حياتك مع الله من قلبك
تبدأ بالإيمان، والإيمان من عمل القلب، بالإيمان تثق بوجود الله بصفة عامة، وبوجوده في حياتك بصفة خاصة، وفي حياتك معه تتَّكِل عليه، وفي اتِّكالك عليه، تسلِّمه حياتك، حيثما يسيِّرك تسير، وكيفما يصيِّرك تصير، يتبعه قلبك في كل شيء.
وتكمُل بعمل الفضيلة، والبعد عن الخطيئة. وكل ذلك من عمل القلب أيضًا. فالإنسان الذي يحب الفضيلة لا يخطئ. إن وصايا الله في قلبه وفي فكره لا يملك أن ينساها.
فإن قال البعض إن هناك وصايا قد تبدو صعبة في تنفيذها، مثل الاحتمال ومغفرة الإساءة. نقول إن وصية الله تبدو صعبة علينا، إن كانت خارج قلوبنا، لم نُمزِجها بعواطفنا، ولم نشعر بأهميتها. ولذلك إن أخطأنا، يكون السبب راجعًا إلى القلب أولًا وأخيرًا.
تجعل وصاياه في قلبك، وحسب المحبة التي في قلبك نحو الله، لا تستطيع أن تُخطِئ، لأن الخطية هي انفصال عن الله، انفصال في المحبة، وانفصال في المشيئة، وانفصال في العمل. وفي محبتك لله تود أن تكون معه في كل وقت، وفي كل مكان، هنا على الأرض، وأيضًا معه في السماء بعد الموت.
القلب والوصية
يجب أن تكون وصايا الله في القلب. أحيانًا كثيرة ما تكون وصايا الله في العقل وليس في القلب، فحواء عندما سألتها الحية عن الوصية، قالت: "لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا" (تك3:3).
فالوصية موجودة في العقل لكن ليس في القلب، وما أسهل أن يحفظ الإنسان وصايا الله ولا تكون في قلبه. يقول داود النبي: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ" (مز119: 11) لم يقُل وضعت كلامك في ذهني لكن في قلبي يختلط بمشاعري وعاطفتي لكيلا أخطئ إليك.
يقول أيضًا: "أَحْبَبْتُ وَصَايَاكَ أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ" (مز127:119). "وجدت كلامك كالشهد فأكلته"، "أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي" (مز103:119). "وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ. أَمْرُ الرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ" (مز19: 8).
مَن يُحب الرب يُحب وصاياه. يجد لذة فيها، بالنسبة له الوصايا ليست فرضًا، وليست ثقلًا، إنما نور ينير له الطريق. "..سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز164:119). القلب المُحب لله حتى لو غفل عن الرب، قلبه معه! ما أجمل العبارة التي وردت في سفر النشيد: "أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ" (نش5: 2).
القلب والعبادة
العبادة الحقيقية المقبولة من الله، هي التي مصدرها القلب وهي تتميَّز عن العبادة الشكلية المظهرية.
تلك العبادة الزائفة التي يقول عنها المثل العامي: "يصلِّي الفرض وينقُب الأرض". على أن العبادة الحقيقية للقلب ليست مجرَّد فرض، إنما صِلة حقيقية بالله تبدأ من القلب، وتستمر في القلب. مصدرها محبة القلب لله وإيمانه به، والعمل على مرضاته، وشهوة الوجود معه.
كذلك ذهابك إلى بيت الله: هل تشعر بشرف الوجود فيه؟ وهل تشعر بالخشوعِ اللائق به؟ وهل في داخلك تشكُر الله الذي سمح لك أن تدخل إلى بيته على الرغم من كسرك لوصاياه. في كثير من المناسبات بهذه المقاييس كلها اِسأل نفسك عن نوعية عبادتك، كيف هي؟ وما علاقة القلب بها؟ وحاول أن كل علاقة لك بالله إنما تصدُر عن القلب.
القلب والصلاة
الصلاة وعلاقتها بالقلب: عندما تسأل البعض عن تعريف الصلاة، يرُد أنها الحديث مع الله، هذا تعريف قاصر، لا يفيد. الصلاة هي صِلة بالله، صِلة حُب وقلب، ونتيجة الحب والقلب نتكلَّم مع ربنا.
الصلاة غير المقبولة يقول عنها الرب: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر6:7) والذي قال عنه: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ.." (إش15:1). تعني أن القلب ليس مع الرب وأنكم تخطئون.
الصلاة من القلب تكون كل كلمة يقولها الإنسان بفهمٍ وعاطفة. يصلّي: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أيضًا" (مت12:6). وهو لا يغفر! يكذِب على ربنا في الصلاة. الصلاة المستجابة هي التي من القلب، هذه هي الصلاة التي يقبلها الله.
الصلاة ليست مجرَّد كلام تتلوه أمام الله، بل هي مشاعر قلب ينسكب أمام الله حتى بدون كلام!
مجرَّد خشوعك أمام الله، صلاة. كذلك مجرَّد رغبتك في أن تكون في حضرة الله، ورفع يديك إلى السماء، كقول المرتِّل في صلاته لله: "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز63).
ليس المهم في صلاتك كلماتها وإنما مشاعِرك، وليس المهم في الصلاة طولها وإنما عمقها.
(الصلاة) النابعة من القلب هي جسرٌ واصِل من الأرض للسماء، بل الصلاة هي مفتاح السماء. كلمة (الصلاة) في اللغة العربية هي أعمق من معناها في اللغات الغربية لأن منها يفُهم معنى (الصلة) بين الإنسان والله وإن لم تكن هذه (الصلة) موجودة لا تكون الصلاة صلاة.
والصلاة هي صِلة القلب بخالقه. والصلاة ليست مجرَّد واجب روحي وإنما حب لله ومتعة في الوجود معه. والذي يملّ الصلاة إنما يقدِّم دليلًا عمليًا على خلو قلبه من محبته لله.
والصلاة هي رفع القلب إلى الله وليس مجرَّد رفع العينين أو اليدين إلى فوق. هي رفع القلب عن كل الماديات والأرضيات، لكي يتَّجِه إلى الله بكلِّ عواطفه، كمن يقول للرب في صلاته: "ليتني يا رب أنسى الكل لكي تبقى أنت وحدك في ذاكرتي"..
في سماءٍ أنت حقًا إنَّما | كلُّ قلبٍ عاش في الحبِ سـماك |
ليست الصلاة فقط، إنما كل الممارسات الدينية ينبغي قبل كل شيء أن تنبُع من القلب.
وفي الصلاة تكوّن علاقة مع الله. والصلاة ليست مجرد كلام مع الله، إنما هي مشاعر قلب نحو الله. لو كانت مجرد كلام، ما كان الله يقبلها. لأنه وبَّخ اليهود قائلًا: "يقترب إليَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت8:15)!
الصلاة المقبولة هي الصلاة التي من القلب. هي مشاعر قلب ينسكب أمام الله، حتَّى من غيرِ كلام.
يقول داود النبي للرب في المزمور: "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز5،4:63). مجرَّد رفْع اليدين! الصلاة هي بالحقيقة رفْع القلب إلى الله. أما صلاة الشفتين فقط – من غيرِ مشاعر القلب – فهي ليست صلاة مقبولة! الصلاة قبل كل شيء هي شعور بالوجود في الحضرة الإلهية. وهذا الشعور يرتبط به الخشوع، وكلاهما من القلب، ويظهران في الركوع وفي السجود، وفي الابتهال إليه. والصلاة هي اشتياق القلب إلى الله.
كما قال داود النبى في مزاميره: "يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي" (مز1:63)، "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز2،1:42).
والصلاة التي من القلب، فيها الحرارة، وفيها الحب، وفيها الإيمان. وفيها مشاعر تَرفع القلب إلى السماء.
القلب وفضيلة العطاء
فضيلة العطاء على سبيل المثال، ربنا يقول: أعطِ العشور من احتياجك، لكن المهم: هل تُعطي من جيبك؟ أم من قلبك؟ العطيَّة من القلب تكون ظاهرة، عطيَّة بفرح وسرور "الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ" (2كو7:9). عطيَّة برضا في تواضع. تشعر فيها أن الله هو المُعطي هو الذي أعطاك ما تعطيه. وهو الذي يعطيك فضيلة العطاء لكي تعطي لغيرك فكله يرجع لربنا. "مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاك" (1أي14:29)َ.
وهل تخلِط عطاءك للمحتاج بحبك له؟ وهل تفرح عندما تعطي لأنك أسعدت إنسانًا؟ أم تعطي عن تغصُّب؟!
إن الله لا يكافئك على مقدارِ عطائك، إنما على نوعِ مشاعرك فيه. فهل تعطي كسخي يعطي لفقير؟ أم كإنسان يأخذ من الله ما يعطيه لرعية الله فما أنت غير موصِّل لتوصيل عطايا الله للناس!!
الله هو المعطي وأنت عبد المعطي. العطاء الحقيقي هو أن تعطي من قلبك، فيما تعطي من جيبك! فقلبك أولًا يمتلئ بمحبة المحتاجين والإشفاق عليهم. وبهذه المشاعر تقدِّم لهم العطاء المادي، وأنت توقِن تمامًا أن ما تعطيهم إياه هو حق من حقوقِهم عليك.
وأنه ليس من عندك، بل من عند الله الذي أعطاك ما تعطيه لهم. وهكذا تعطي بغير تعالٍ، وقلبك مملوء بالاقتناع، شاكر لله على عطائه لك ولهم. في قصة (حنانيا وسفيرة) لمحبتهِم للمال حجزوا جزءًا منه، أعطوا لكن عطاءهم غير مقبول! لأن قلبهم كان في ناحية وعطائهم كان في ناحية أخرى.
القلب والتوبة
كثيرون يعتقدون أن التوبة أن يأخذ الإنسان (الحِل) بعد سرد الخطايا، وينتهي الأمر.. التوبة هي عمل الله في القلب، واستجابة القلب لعمل الله فيه. في سفر إرميا النبي يقول: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي" (إر31: 18).
التوبة هي رجوع إلى الله. يقول ارجعوا إليَّ فارجِع إليكم. "ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ" (يوئيل2: 12). هناك مَن يرجِعون، لكن ليس مِن القلب.. يتأرجح يوم مع الله، ويوم مع الخطيئة. مَن يرجع كلية لا يرجع إلى الخطيئة، حيث لا مكان لها عنده، ولا تكون هناك خطيئة محبوبة له. لا تكون التوبة من الظاهر، ولكن من القلب في الداخل، والرجوع إلى الله يكون رجوعًا كاملًا. التوبة تعني: هل تغيَّر قلبك؟
هكذا الصوم أيضًا، ليس الصوم مجرَّد تغيير طعام، أو تحديد موعد للأكل، ما أسهل هذه الشكليات. يتفنَّن فيها الناس.
الصوم معناه أن يكون القلب زاهد في الداخل وتائب، ففي صوم أهل نينوى لما الله رأى أنهم تركوا أعمالهم الرديئة، ندم الرب على الشر الذي كان يريد أن يعمله بهم فلم يعمله. يعني كان صومًا مصحوبًا بالتوبة، وصومًا مصحوبًا بالصلاة، مصحوبًا بمحبة ربنا في زهد.
الصوم هو ضبط النفس من الداخل، التي تعني ضبط القلب. هكذا في التعامل مع جميع الناس. مشاعر قلبك في الاحتمال، في التصالح، في الصفح عن الآخرين، قلبك في القُبلة المقدسة "قبِّلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة"، لا يتفق مع المثل القائل "اللي في القلب في القلب" ليست مظاهر وشكليات في تعاملك مع الآخرين.
نتناول الخدمة مثلًا، ليست الخدمة مجرَّد نشاط قد يكون عملًا مستمرًا ليل نهار، لكن ليس للقلب دخل فيه. الخدمة الحقيقية هي أن تُحب الناس من قلبك، تُحب خلاصهم، وتقودهم إلى هذا الخلاص بدافع المحبة. تُحبهم فتُحب أن يكون لهم أبدية سعيدة.
التوبة الحقيقية هي رجوع القلب إلى الله، هي تغيير القلب من الداخل، أي تغيير شهوات الإنسان الداخلية. لأنه ما دامت في القلب خطيئة محبوبة لا يكون قد تاب توبة حقيقة، حتى لو كان لا يقرن هذه الخطية بالفعل! فالله يريد أن يرجع الناس إليه بكل قلوبهم.
فخطيئة الجسد أو خطايا الحواس هي الثانية في الترتيب الزمني، فإن نقَّيت القلب، تتنقَّى الحواس، ويكون الجسد طاهرًا.
وإن انتصر الإنسان في الداخل على الخطايا التي تحاربه فإنه بالتبعية ينتصر من الخارج أيضًا. وهكذا فإن التوبة التي من القلب، هي التوبة التي تتحكَّم في الحواس وفي كل المظاهر الخارجية.
والانتصار على الخطايا بالضرورة يأتي من الداخل وهذا ما يجب أن يركِّز عليه الوعَّاظ والمعلمون.
إن التغيير الخارجي، لا يأتي إلا بالتجديد الداخلي، أي بذهن يفكِّر بطريقة جديدة ينفعل بها القلب ومشاعره. ومهمَّة الواعظ أن يتعامَل مع قلوب الناس وأفكارهم، وليس مع آذانهم وحدها. يركِّز على المظاهر الخارجية وحُسن السلوك من الخارج.
التوبة الحقيقية هي التوبة الصادرة من أعماق القلب وليست التوبة الصادرة عن مجرد الإرادة؛ لأن الإرادة قد تقوَى حينًا وترفض الخطيئة ثم تضعف حينًا آخر، وتحنُّ إليها. قد تمتنع الإرادة عن فعل الخطيئة، ولكن – مع عدم ارتكابها – تبقى محبتها في القلب، وبهذا لا تكون توبة حقيقية.
إن التوبة الكاملة هي كراهية الخطية وهي من عمل القلب.
لأنه إن كانت توجد في القلب خطية محبوبة – ولو أن الإرادة ترفضها – فلا تسمّى هذه توبة إنما هذه محاولة للوصول إلى التوبة. أما التوبة فهي أن يرجع الإنسان إلى الله بكل قلبه، ولا يشتهي في داخله شيء ضد وصايا الله وضد الحياة الطاهرة النقية. وبالوصول إلى الناحية الإيجابية يعمل الشخص على أن يحب الله من كل قلبه، ويقول كما في المزمور: "بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ.." (مز 119: 10).
التوبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنقاوة القلب، والتوبة التي من القلب هي التي تستمر. التوبة ليست كلمة نقولها بألسنتنا، وليست وعودًا نعِد بها الله في لحظةِ يقظة روحية ثم نعود فننساها!! إنما التوبة الحقيقية هي تغيير حقيقي للقلب. وكأن الإنسان قد وهبه الله قلبًا جديدًا. وهي أيضًا تغيير أساسي في شهوات الإنسان الداخلية. وكما قال أحد الآباء: التوبة هي استبدال شهوة بشهوة.
فتحلُّ شهوة الخير والفضيلة محلَّ شهوة الشر والدنس. وليست التوبة مجرد امتناع خارجي عن الخطيئة بينما هي ترعى في القلب وتنجِّسه! تبعُد عنها الإرادة مضطرة في تغصب! بينما يشتهيها القلب من الداخل وكما قال أحد معلمي الفضيلة: "قد يوجد البعض لهم أجساد عفيفة، لكن قلوبهم دنسة"!
للوصول إلى التوبة، ينبغي أن ينتصر القلب في الداخل، ويكون نقيًا زاهدًا في الأمور الخاطئة، حينئذ ينتصر من الخارج.
تقول: إنني للأسف الشديد أحيا في بيئة بها الكثير من المغريات والعثرات والحروب الروحية التي يسهُل معها السقوط. أقول لك: إن كان قلبك منتصرًا من الداخل فلا يمكن أن يؤثِّر عليه كل هذا. إن يوسف الصديق المنتصر في داخله لم تقوَ عليه العثرات ولا المغريات ولا الحروب الروحية في شدَّتها. أتقول: فلان طبعه مُتعِب، لقد نرفزني وأثارني وأفقدني هدوئي.
فأرد عليك: بل كان الأولَى بك أن تقول: إن فلان كشف لي الخطأ الموجود في قلبي. لأنه لو كان قلبي قويًا ما كنت أقع في النرفزة! لقد أظهر لي بعض ضعفاتي لكي أتوب عنها.
إن العثرات الخارجية تؤثِّر وتقود إلى الخطيئة إن كان القلب يستجيب لها.
أما إن كان القلب يرفضها، فهذه العثرات لا تُعثِره هو بل قد تُعثِر غيره. كذلك الكلام الروحي عن التوبة قد لا يأتي بنتيجة إن كان القلب لا يريده، وبالأكثر يرفضه، بسبب محبة خاطئة يتعلَّق بها من داخل القلب.
إذًا الانتصار على الخطيئة إنما يأتي من الداخل. مهما دقَّق الواعظ على اجتناب المظاهر الخارجية الخاطئة فلن يُجدي ذلك نفعًا ما لم يأتِ الإصلاح من الداخل.
تقول لإحدى الفتيات مثلًا: ملابسك، شكلك، زينتك، مكياجك. وتظل تؤنِّب وتوبِّخ. ولكنها لن تغيِّر شيئًا من كل هذا.. ما لم يتغيَّر القلب من الداخل وتتغيَّر المبادئ ثم تتغيَّر السلوكيات. حقًا إن التغيير الخارجي لا يأتي إلا بالتجديد الداخلي: بذهنٍ يفكِّر بطريقةٍ جديدة روحية ينفعِل بها القلب ومشاعره. أولى بنا في الوعظ والإرشاد أن نتفاهم مع قلوب الناس وعقولِهم وليس مع آذانِهم فقط نقول لهم: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو12: 2). إننا كثيرًا ما نركِّز على خطايا اللسان، وخطايا الحواس والعمل، دون أن نركِّز على مصدرها الذي هو القلب!!
إنسان يحتدّ ويثور ويتلَّفظ بما لا يليق فننصحه بأن يبعد عن خطايا اللسان، دون أن ننصحه بأن يغيِّر ما في قلبه، لكي يكتسب فضائل الوداعة والهدوء والاحتمال، ومحبة الآخرين. ذلك لأنه إن كانت هذه الفضائل في قلبه، فلن يخطئ مطلقًا بلسانه ولن يحتد أو يثور.
إنسان يثور على ملابس المرأة، ويقول: إنها توقعني في الشهوة!
بينما الذي يوقِعه في الشهوة هو قلبه، وأيضًا فِكره من جهة المرأة والجسد. فلو كان قلبه نقيًا من جهة المرأة ما كانت شهوة من جهتها تتحرَّك في قلبه! فليت الوُعّاظ كما ينتقدون ملابس النساء، إنما يركزون أيضًا على مشاعر الرجال وشهواتهم، وصَدَق الشاعر الذي قال عن امرأة خاطئة:
ودَعوكِ بائعة الأثيم من الهوى | كذِبوا فإن الذنبَ ذنبُ المشتري |
إن خطيئة الزنا مصدرُها هو القلب قبل أن تصل إلى شهوة الحواس، وشهوة الجسد. فخطيئة النظر هي أولًا خطيئة القلب، ولو كان القلب نقيًا ما كان ينظر نظرة شهوانية. كذلك نظرة الحِقد، تأتي من الحِقد الذي في القلب. ونظرة القسوة تأتي من قسوة القلب. وكذلك نظرة الكبرياء، وهكذا.
القلب والعمل الإيجابي
تكلَّمنا عن الخطأ في مشاعرِ القلب ويعوِزنا أن نتكلَّم عن عمله الإيجابي في الفضيلة. فالقلب مصدرُ كلَّ الحماس، وكلَّ دعوة للخير، وكلَّ غيرة مقدسة.
كلُّ محبة الناس وخدمتهم، وكلُّ عملٍ لإنقاذهم من كل ورطة وقعوا فيها، كلُّ هذه هل نضعها تحت عنوان الخدمة الاجتماعية؟
أم نقول إن القلب مصدرها والداعي إليها؟ وإن لم تكن صادرة من القلب تتحوَّل إلى روتين ولا تُعدّ فضيلة، وهنا نفرِّق بين الخدمة الملتهبة الصادرة عن القلب وخدمة الموظف الرسمي في المجال الاجتماعي. في هذا نميّز أيضًا بين الكاتب الذي يدافع عن الحق باقتناع قلبي وإيمان بالخير وبين كاتب آخر يكتب من ناحية نظرية.
ما أعظم الفرق أيضًا بين السلوك الفاضل النابِع من حبِّ الفضيلة ومحبة الله، وبين من يسلُك حسنًا لمجرد إطاعة القانون!
سواء كان يؤمِن بهذا القانون أو لا يؤمِن. ينبغي أن تكون محبة الغير ومحبة الخير هي مصدر لكلِّ عمل صالح. بهذا يكون الصلاح صادرًا عن القلب وليس عن إرادة، تحت ضغط خارجي يقودها إلى التنفيذ مرغَمة.
إن الاستشهاد.. وهو أرفع درجات البذل كان صادرًا عن إيمان مصدرُه القلب قبل أن يكون تعذيبًا للجسد أو قتله.
كذلك فإن الطاعة بكلِّ أنواعها إن كانت صادرة من القلب، يكون لها معنى أسمى بكثير من الطاعة الخارجية عن اضطرار.
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: قلبك هو السبب
قد تقول "فلان قد ضيَّعني". فأقول لك: "لم يضيِّعك سوى قلبك".
لو كان قلبك قويًا، غير قابلٍ للضياع، ما استطاع هو أن يضيِّعك! ثم إن هذا الشخص لا يمكنه أن يحاربك إلا من الخارج. فإن كنت من الداخل سليمًا. فلن يضرَّك في شيء.
انظر إلى الجنادل الستة التي تعترض النيل في منطقة النوبة. إن المياه تصدمها من آلاف السنين، ولا تستطيع أن تزحزِحها من مكانِها، أو تفتِّتها، لأنها صخورٌ قويَّة. فلتكن أنت هكذا إن كنت قويًا. صدق ذلك الحكيم الذهبي الفم حينما قال: "لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ هذا الإنسان نفسه".
قد تقول: الكلام الذي سمعته، غَيَّر أفكاري وشكَّكني!
أقول لك: هو قلبك القابل للتشكيك. فلو كنت ثابتًا في قلبك، قويًا في إيمانك وفكرك، ما كان الشك يدخل إليك مهما سمِعت من كلام. إن الضعيف الإيمان هو الذي يشك.
أتقول: إن الضيقات قد زعزعتني؟! أقول لك: لو كان قلبك قويًا. ما كان يتزعزع.
كثيرًا ما قلت: "إن الضيقة سُمِّيَت ضيقة، لأن القلب ضاق عن أن يتسع لها". أما القلب الواسع فلا يضيق بشيء. القلب الواسع يتناول المشكلة بهدوء ويحَلِّلها. فإن استطاع أن يحلَّها، انتهى الأمر. وإلا فإنه يعطيها مدىً زمنيًا تُحلّ فيه. أو يتركها إلى الله فيحلَّها له.
الفصل الرابع صفات القلب وأنواعه
صفات القلب وأنواعه
يوجد قلب قوي، لا ينهار ولا يضعف مهما كانت التجارب، وقلب نقي طاهر، لا يسقط مهما كانت الإغراءات.
كما يوجد قلب صامد، يظل ثابتًا مهما طال زمن المشكلة. وقلب متواضع يحتفظ باتضاعه مهما نال من رفعة المناصب، ولا يتأثر إطلاقًا بكلام المديح أو الكرامة. إذًا الأهمية هي في نوعية القلب.
1- القلب المتواضع
التواضع ليس مجرد كلام إنما هو تواضع القلب. ما أسهل أن يقول: أنا خاطئ. أنا ضعيف، لكن إذا قيل له: أنت خاطئ، يثور ويغضب!
قيل عن القديس الأنبا سرابيون الكبير، أن ذات مرة جاء إليه أحد الإخوة "الجوالين"، فقال له الأنبا سرابيون الكبير: هيا بالصلاة معي، فأجابه: أنا خاطئ. لا أستحق الصلاة. وعرض عليه أن يأكل معه فرفض لنفس السبب، ويبادر بالرد بعدم استحقاقه.
فأجابه الأنبا سرابيون: "الأفضل أن تظل في قلايتك، فليس التواضع أن تلوم نفسك. بل التواضع أن تقبل الملامة التي تأتيك من الآخرين دون أن تضطرب!".
كذلك ما يتصل بالمطانيات والأعذار. أحدهم يضرب مطانية لآخر، قائلًا: سامحني. ولا تُقبل منه؛ لأنها ليست صادرة من قلبه. كذلك الاعتذار، هناك فرق بين الاعتذار من القلب، فيُقبل اعتذاره، وآخر اعتذاره مجرد كلام لا يقبله أحد لأنه ليس صادرًا من القلب.
2- القلب الصالح
الصلاح ليس الصلاح الخارجي، كقبور مُبيَّضة من الخارج، ليس مجرد مظاهر إنما هو حالة القلب. ليس مجرد خوف أو خضوع. هو عاطفة من القلب.
الحشمة ليست أمر يتعلق بالملابس والزينة، إنما الحشمة داخل القلب يتصرف صاحبها التصرف السليم دون أهمية لمظاهر خارجية، والكثيرون يهتمون بالمظهر الخارجي لكن الله يريد القلب.
يقول: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ.." (أم26:23). فأي قلب يُعني؟! قلب نقي. قلب حكيم. قلب بسيط. قلب مليء بالحب.
لذلك يقول: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ.." (تث6: 5). لا يكون داخل القلب منافس للرب سواء كان هذا المنافس شخص أو خطيئة. تحب الرب إلهك من كل قلبك، وليس بجزءٍ من قلبك والجزء الآخر لآخر غير ربنا!
القلب يكون بسيط في شفافيته. ما في القلب على اللسان.
3- القلب النقي
القلب النقي هو قلب صادق. فالمرائين قلبهم شيء، ولسانهم شيء آخر. يتكلَّمون عن الصالحات، وهم أشرار. يتكلَّمون عن الحب، وهم كما يقول المزمور: "أَسْنَانُهُمْ أَسِنَّةٌ وَسِهَامٌ، وَلِسَانُهُمْ سَيْفٌ مَاضٍ" (مز57: 4).
هذا القلب النقي يقول عنه الكتاب: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت5: 8).
هذه النقاوة مقياسها كبير ودرجاتها متفاوتة...
"يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23: 26). عندما تعطِني قلبك، فإنك ستحفظ وصاياي. لذلك فعندما أعطى الرب الوصية لموسى النبي قال: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ" (تث6: 6، 7).
4- القلب الكبير
القلب الكبير هو القلب المملوء بالتسامح والعفو، وهو أيضًا القلب الهادئ العامر بالسلام والطمأنينة.
القلب الضيق يتأثر بسرعة، ويندفع إلى الانتقام لنفسه.
لذلك كن كبيرًا في قلبك، وواسع الصدر. بحيث تحتضن في داخلك جميع المسيئين إليك.
وحينئذ ستشعر بالسلام الداخلي وتُدرِك بركةَ القلب الكبير. القلب الكبير لا تُتعبه إساءات الناس ولا يقابل الإساءة بإساءة. إنما تذوب جميع الإساءات في لُجة احتماله في خِضمِّ محبته.
القلب الكبير أقوى من الشر.
فالخير الذي فيه أقوى من الشر الذي يحاربه. ودائمًا الخير الذي فيه هو الذي ينتصر. ومهما أُسيء إليه، يبقى كما هو دائم المحبة للناس مهما صدر منهم.
في إساءتهم إليه لا ينتقم منهم بل على العكس قد يعطف عليهم! يراهم مساكين قد غلبهم الشر الذي يحاربهم، فهم محتاجين إلى مَن يأخذ بأيديهم وينقذهم من الشر الذي خضعوا له في إساءتهم لغيرهم.
أما إذا انتقم الإنسان لنفسه، يكون الشر حينئذ قد غلبه، وأخضعه لحب الانتقام، وأضاع من قلبه الاحتمال والتسامح والمودَّة.
إن محبتنا للناس توضع تحت الاختبار حينما نتعرض لإساءتهم: فكل إنسان يستطيع أن يحب من يحبه، وأن يحترم من يحترمه، ويكرم من يكرمه، كل هذا سهل لا يحتاج إلى مجهود. ولكنه نبيل هو الإنسان الذي يحب من يكرهه، ويكرم من يسيء إليه!
وفي هذا يقول السيد المسيح في موعظتِه على الجبل: "لأَنَّهُ إِن أَحبَبتمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكم، فَأَيُّ أَجرٍ لَكم؟ وَإِن سَلَّمتم عَلَى إِخوَتِكم فَقَط، فَأَيَّ فَضل تَصنَعونَ؟ أَلَيسَ العَشَّارونَ أيضًا يَفعَلونَ هكَذَا؟ وَأَمَّا أَنَا فَأَقول لَكم: أَحِبُّوا أَعدَاءَكُم. بَارِكُوا لاَعِنِيكُم. أَحسِنُوا إِلَى مُبغِضِيكم، وَصَلُّوا لأَجلِ الَّذِينَ يُسِيئونَ إِلَيكم وَيَطردونَكم" (مت5: 44-47).
هنا ولا شك أن المحبة تكون بلا مقابل. أي أن الإنسان المُحِب لم يأخذ محبة في مقابل محبته. لم يأخذ أجرًا على الأرض.
لذلك يكون كل أجره محفوظًا في السماء، إذا لم يستوفِ منه شيئًا على الأرض. إن القلب الكبير ليس تاجرًا، يعطي حبًا لمن يقدِّم له حبًا، أو يعمل خيرًا مع الذي ينقده شاكرًا!
إنه يصنع الخير مع الكل بدون مقابل. يعمل الخير لأن هذه طبيعته. لذلك فإنه يعمل الخير لمن يستحقه، ولمن لا يستحقه أيضًا، مع المحب ومع المسيء، مع الصديق ومع العدو.
مثل الشمس التي تشرق على الأشرار والأبرار، ومثل السماء التي تُمطِر على الصالحين والطالحين. بل إنه درسٌ نتعلَّمه من الله نفسه الذي يُحسِن إلينا حتَّى ونحن خطاة!
إن القلب الكبير لا يعامل الناس كما يعاملونه إنما يعاملهم حسب سموّه وحسب نبله.
وهو لا يتغير في سموّه وفي نبله طبقًا لتصرفات الناس أمامه إنه لا يرد الإساءة بالإساءة، لأنه لا يحب أن تصدر منه إساءة إلى أحد ولو في مجال الرد. أما الضِعاف فإنَّهم يتأثَّرون بصفات الناس ويتغيَّرون تبعًا لها. وهنا نسأل: ما معنى رد الإساءة بالإساءة ومقابلة الخطأ بالخطأ؟؟
لقد أجاب الآباء القديسين على هذا الأمر وشرحوه في جملة نقاط لا مانع من أن نوضِّحها:
1- هناك إنسان يرد الإساءة بمثلِها: التصرُّف بالتصرُّف، والإهانة بالإهانة، والشتيمة بالشتيمة. وقد يرى في نفسه أنه يتصرَّف بعدل ولم يخطئ لأن هناك من يردّون الإساءة بأشد منها، ويعلِّلون ضمائرهم بأنهم في موقف المعتدَى عليه.
2- وهناك نوعٌ لا يرد الإساءة بمثلها: فلا يقابل إهانة بإهانة، ولا شتيمة بشتيمة. ولكن الرد يظهر في ملامحه: في نظرة احتقار أو تقليب الشفتين بازدراء أو في صمت قاتل.. إلخ.
3- وقد يوجد من لا يفعل شيئًا من هذا ولكن رده يكون داخليًا في قلبه، وفي نيته، ويتصوَّر في قلبه تصرفات تحمل معنى رد الإساءة بمثلها أو بأشد ولكنها مخفاة.
4- ويوجد إنسان قد لا ينفعل في الداخل من الإساءة. ولكنه إذا سمع أن المسيء قد أصابه مكروه يفرح بهذا الخبر! ويرى أن الله قد انتقم له ممن أساء إليه. وبهذا لا يكون قلبًا نقيًا تجاه المسيء بل يكون متعكِّرًا بشيءٍ من الشماتة!
5- وقد يكون إنسان لا تحاربه هذه المشاعر، بل قد يحزن حقًا إذا حدث مكروه لمن أساء إليه، ولكنه في نفس الوقت لا يفرح إن سمع أنه حدث خير لهذا المسيء. إذ يرى أنه لا يستحق الخير وبهذا يتضايق لأيَّة أخبار مُفرِحة عنه، ولا يكون قلبه نقيًا من جهته.
6- إنسان آخر قد لا يفعل شيئًا من هذا كله. ولكن إساءة المسيء تظل عالقة بذهنه لم ينسها لأنه لم يغفرها بعد. هذا أيضًا لم يصل بعد إلى مستوى القلب الكبير المحب الذي ينسى الإساءة ولا يعود يذكرها. لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. ولأن القلب الذي ينسى الإساءة يكون صافيًا لا يعكره شيء.
7- وقد يوجد شخص ينسى الإساءة ويستمر في نسيانها زمنًا، ثم تحدُث إساءة جديدة من نفس الشخص فيرجع ويتذكر القديمة أيضًا، التي خُيِّل إليه أنه قد نسِيها، ويتضايق بسبب الاثنيْن معًا.
وبهذا يدل على أنه لم يغفر الإساءة القديمة. وأنها لم تمُت في قلبه، وإنما كانت نائمة واستيقظت مثل جُرحٍ قد يكون اندمل ولكن موضعه ما زال حساسًا أقل لمسة تؤذيه!
إن هناك طريقتيْن لمواجهة الإساءة: طريقة التصريف وطريقة الترسيب:
أما طريقة التصريف فهي الطريقة الروحية التي بها يصرف الإنسان الغضب بأسلوب سليم، بإنكار الذات، بلوم النفس، بأن يعذر الآخرين بدافع من المحبة والبساطة.
أما طريقة الترسيب فهي أن يبدو الشخص صافيًا بينما يكون الغضب مترسبًا في داخله، كالدواء الذي يقال في استعماله (رُج الزجاجة قبل الاستخدام)، يبدو صافيًا من فوق بينما هو مترسِّب في الأسفل وأقل رجَّة تعكِّر السائل كله الذي يملأ الزجاجة. إن الصفاء الظاهري من فوق ليس هو صفاءً حقيقيًا كاملًا.
ولكن لعل إنسان يقول: كيف يمكننا الوصول إلى هذه الدرجات الروحية من صفاء القلب تجاه الإساءة؟ ألاّ تبدو غير ممكنة؟
إنها تبدو صعبة أو غير ممكنة بالنسبة إلى القلوب الضيِّقة التي لم تمتلئ بالمحبة بعد، ولا بالاتضاع، أما القلب الكبير فإنه يتَّسِع لكل شيء، إنه لا يفكِّر في ذاته، ولا في حقوقه، بل يفكِّر دائمًا في راحة الآخرين وفي علاجهم، لذلك لا تهزَّه الإساءات.
كذلك هو يعلم أن المسيء إنما هو يسيء إلى ذاته – قبل كل شيء – لا إلى غيره. إن الذي يقترف الإساءة إنما يسيء إلى مستواه الروحي وإلى نقاوة قلبه وإلى مصيره في الأبدية، ولكنه لا يستطيع أن يضر غيره ضررًا حقيقيًا. فالذي يشتم غيره مثلًا، إنما يبرهن على نوع أخلاقياته هو، دون أن يضر المشتوم في شيء. يبقى المشتوم في مستواه العالي، لا تقلِّل الشتيمة من جوهر معدنه الكريم، بل تدل على خطأ مقترِفها، وسوء مستواه كإنسان شتَّام.
والذي أصابته هذه الإهانة – إن كان قلبه نقيًا كبيرًا – فإنه لا يتأثَّر، بل يأخذ موقف المتفرِّج الذي يرثي لضعفات غيره، لا موقف المنفعل أو موقف المنهزم.
وهكذا تبدو أمامنا درجات روحية لمواجهة الإساءة وهي:
احتمال الإساءة، ومغفرة الإساءة، ونسيان الإساءة، حسب المثل الإنجليزي: ""NOT ONLY TO FORGIVE BUT RATHER TO FORGET. ثم درجة أعلى، وهي محبته لمن يسيء إليه. ففي أي درجة من هذه كلها تضع نفسك أيها القارئ العزيز؟ درِّب نفسك على هذه الدرجات الروحية لكي تصل إلى صفاء القلب ونقاوته، وإن لم تستطع أن تصل إلى هذه كلها. فعلى الأقل لا تبدأ بالإساءة إلى غيرك.
خذ موقف المظلوم لا موقف الظالم، واعلم أن الله سيقف إلى جانبك. أما الظالم فإنه يعادي الله قبل أن يعاديك، وسيكون الله ضده، وعندما يقف الله معك ضد ظالميك، قل له كما قال السيد المسيح: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34).
القلب الكبير الذي يحتمل ضعفات الآخرين يعيش باستمرار في سلام، بعيدًا عن الغيظ وعن الحقد، كل ضيقات العالم لا تزعجه.
إنه يستمد سلامه من الداخل وليس من الظروف المحيطة. حقًا إنه ليس من صالح الإنسان أن يجعل سلامه القلبي يتوقَّف على سبب خارجي: إن اضطربت الأمور من حوله اضطرب معها وإن هدأت يهدأ، سبب خارجي يجعله يثور، وسبب يجعله يفرح، وسبب يبكيه، وسبب يبهجه، ويكون كما قال الشاعر:
كريشة في مهبِّ الريحِ طائرة | لا تستقِر على حالٍ من القلقِ |
القلب الكبير – في كلِّ ما يحدث له – يكون أقوى من الأحداث متمالِكًا لأعصابه متحكِّمًا في انفعالاته محتفِظًا بهدوئه.
إن حلَّت به ضيقة لا يفكِّر في متاعبها بل يفكِّر في حلِّها. ويضع في نفسه أن كل ضيقة لها حل أو حلول، وأن كل ضيقة لها مدى زمني معيَّن تنتهي فيه. إن وصل إلى حل يستريح، وإن لم يصل يترك الأمور إلى معونة الله الذي عنده حلول كثيرة، معتمِدًا على هذا الإيمان. ومهما ازدادت الضيقات فالقلب الكبير لا يسمح للشيطان أن يوقِعه في اليأس وأن يصوِّر له الأمور معقَّدة ولا حلّ لها.
إن القلبَ الكبير لا يستسلِم للضيقات، بل إنه قد لا يشعُر بالضيقة لأنَّها لم تضايقَه. وأتذكَّر أنني قلت في إحدى المرات: إن الضيقة سُمِّيت ضيقة لأن القلب قد ضاق عن أن يتَّسع لها. أما القلب المتِّسع الكبير فلا يتضايق بشيء.
الضيقة إذًا في قلوبِنا وليست في العوامل الخارجية: إن تعكَّرنا نحن، نرى كلَّ الأمور متعكِّرة. وإن تعِبنا في الداخل، تبدو كل الأمور متعِبة. أليس حقًا أن أمرًا من الأمور قد يضايق إنسان ما، وفي نفس الوقت لا يتضايق منه إنسان آخر. بينما الموضوع هو نفس الموضوع!
ليس المهم إذًا نوع الأحداث التي تحدُث لنا. بل المهم بالأكثر هو الطريقة التي نتقبَّل بها الأحداث ونتصرَّف معها.
فالقلب الكبير الذي يصمد أمام الإشكالات يزداد قوة. بينما القلب المضطَّرِب الذي ينهار أمامها يزداد ضعفًا.
هي نفس الإشكالات ولكنها تُقوّي شخصًا وتزيده صلابة ومِراسًا وحنكة، بينما تُضعِف شخصًا آخر وتزيده انهيارًا وحزنًا.
لذلك كونوا أقوياء من الداخل وخذوا من الضيقات ما فيها من بركة وليس ما فيها من ألم.
5- القلب العطوف الشفوق
القلب الشفوق هو القلب المملوء بالحنان والحب، البعيد كل البعد عن القسوة. إنه يفيض رِقَّة وإشفاقًا على كل أحد، حتى على الذين لا يستحقون.
† مجالات الحنُوّ
حنُو الإنسان على غيره قد يشمل الكائنات جميعًا..
فيحنو على العصفور المسكين، وعلى القط الصغير، وعلى النبتة الذابلة، وعلى الشجرة العطشى إلى الماء. ويحنو على الحيوان الضعيف الخائف من وحشٍ يفترسه! بل قد يحنو على الوحش المفترس! مثل ذلك القديس الذي رأى أسدًا يئن من شوكة في قدمه. فانحنى وأراحه منها. وحفظ الأسد له هذا الجميل. المملوء بالحنان والرقة، الذي يفيض إشفاقًا على كل أحد، حتى على الذين لا يستحقون!
قد يكون الحنُوّ في نواحٍ مادية أو جسدية، أو قد يكون في نواحٍ نفسية أو معنوية أو روحية.
وخلاصة الأمر. أن القلب العطوف يفيض بحنانه في كل المجالات وعلى الكل. فيشفق على الفقير المحتاج، وعلى المريض المتألِّم. كما يشفق على اليائس المتعَب نفسيًا، وعلى الخاطئ الساقِط في خطيئة أو في عادة رديئة، وهو في حاجة إلى مَن يأخذ بيده ويقيمه.
إن القلب الحنون يمكنه أن يكسب الناس، أما القلب القاسي فيخسرهم.
الناس يحتاجون إلى مَن يعطف عليهم، وإلى مَن يأخذ بأيديهم، إلى من يشجع الضعيف، ويقيم الساقط، ويفتح نافذة من رجاء أمام اليائس، يفهم ظروف الناس واحتياجاتهم.
وتكون له روح الخدمة نحو من يحتاج إلى خدمته. فيخدم الكل، ويساعد الكل، ويعين الكل، ولا يحتقر ضعفات أحد، بل يشجع ضعاف النفوس، ويسند الضعفاء. ويتأنى على الجميع. فتيلة مدخنة لا يطفئ. فربما تهب ريح على هذه الفتيلة المدخنة فتشتعل، وتضيء مرة أخرى.
† أسلوب إظهار الحنان
القلبُ الشفوق يجولُ يصنع خيرًا.
الحنان ليس مجرد عاطفة في القلب، وإنما هي تتحول إلى عمل جاد من أجل إراحة الغير. أما الحنان النظري فهو حنان قاصر وحنان ناقص، يحتاج إلى إثبات وجوده عمليًا.
ويقول الإنجيل في ذلك: "لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ" (1يو3: 18).
القلب العطوف يجول يصنع الخير. ولا يقول عن الساقطين الخاطئين إنهم لا يستحقون، بل يرى بالحري، أنهم يحتاجون. أليس الله – تبارك اسمه – هو في علو قداسته، نراه يشفق علينا، ونحن في عمق خطايانا. وهكذا يستر ولا يكشف! وكم من أناس غطسوا في الشر، فلم يكشفهم ولم يفضحهم، ولم يشأ أن يعلن مساوئهم للناس.
إنهم لو انكشفوا لضاعوا. وانسد أمامهم الطريق إلى التوبة بعد فقدهم ثقة الناس!
قال أحد القديسين: "إن لم تستطع أن تحمل خطايا الناس وتنسبها إلى نفسك لتنقذهم، فعلى الأقل لا تستذنبهم وتنشر خطاياهم".
أيضًا القلب العطوف دائمًا يعطي. وهو يعطي في حب، وباستمرار، ودون أن يُطلَب منه، بل بدافعٍ داخلي. إنه دائم التفكير في احتياجات الناس ليقوم بها، دون أن يطلبوا منه.
هذا القلب العطوف يريد أن يريح الناس وأن يسعدهم. وإن وضعت في يده مسئولية، يستخدمها لراحة الناس. وإن وهبه الله ثروة أو سلطة أو أية إمكانية، فإنه يستخدمها أيضًا لأجل راحة الناس، كل الناس.
والقلب العطوف لا يستطيع أن ينام، إن عرف أن هناك شخصًا في تعب أو احتياج، بل يظل يفكر ماذا تراه يفعل لأجله. لذلك كان من المستحيل على مثل هذا القلب أن يؤذي أحدًا، لأنه يتألَّم لآلام الناس أكثر من تألُّمهم هم. وهو يعطي باكورة إيراداته، أي أوائل ما يصل إليه، كي يبارك الله الكل. يعطي المرتب الأول الذي يتقاضاه، والعلاوة الأولى، وأول ما يصل إليه من إيراد. فالجرّاح مثلًا يعطي أجر أول عملية يجريها. والطبيب يعطي أجر أول كشف. والمدرس يعطي أجر أول درس خصوصي.
والصانع يقدم أجرَ أول عمل يقوم به. والزارع يعطي أول حصيد أرضه، وأول ثمر شجره. كل ذلك يقدم عطيَّة للمحتاجين والمعوزين.
وأجمل ما في العطاء أن يعطي الإنسان من أعوازه ليسد احتياج غيره. وفي هذا منتهى الحب والحنو، لأن فيه تزول الذاتية وتحل محلها محبة الغير، بل تفضيل الغير على المعطي نفسه.
وفي كل هذا، يشعر القلب العطوف بأنه إنما يعطي من مال الله لأولاد الله، دون أي فضل من جهته! وكيف ذلك؟
في الواقع إننا لا نعطي شيئًا من مالِنا، بل من الله الذي أعطانا ما نعطيه، وأعطانا أيضًا موهبة العطاء.
فكل شيء نملكه هو ملك لله. ونحن مجرد وكلاء على ما عندنا من مال، قد استودعنا الله إياه لكي ننفق منه على وجهات الخير، وهو الذي يعطي القلب العطوف ما فيه من عطف وإشفاق.
يشعر بمتاعب الناس، ويحاول أن يريحهم، حتى دون أن يطلبوا منه ذلك. وبخاصة لو كان في موقع المسئولية. لا ينتظر حتى يصرخ الناس أو يصيحوا أو يُكثِروا شكواهم. بل بإحساسٍ مرهَف يعرِف مواضِع الألم وأسباب الضيق، ويهتم بكل أحد.
إنه كالماء الذي ينساب في الحقل، يروي كل شجرة. ولا يسمح لضميره أن يرى واحدة منها تذبل من العطش أو من قِلَّة السماد. إن الذي ائتمنته الجماهير على مصائرها ينبغي في عمق حُنوِّه أن يحل مشاكل هؤلاء، ولا يدع أحدًا رازحًا تحت حمل، بل يرفعه عنه.
ما أجمل قول السيد المسيح: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
إن الشفقة ليست فقط واجب المسئولين في مجال مسئوليتهم. بل هي واجب إنساني على كل قلب يشعر بآلام الغير.
من هنا كان عمل المتطوعين في ميادين الخير. مثال ذلك: الجمعيات الخيرية الكثيرة في أغراضها المتعددة. ومنها الملاجئ للأيتام، ولجان الِبر التي تهتم بالفقراء والمحتاجين. وجمعيات الصليب الأحمر، وجمعيات الهلال الأحمر. ومنها أيضًا الجمعيات الخيرية الطبِّية، مثل جمعيات مكافحة الدرن، وجمعيات العناية بمرضى الجزام، والجمعيات التي تعتني بالصُم والبُكم والمكفوفين، وسائر المعاقين جسديًا وذهنيًا.
ويدخل في هذا النطاق أيضًا المتبرعون بالدم لمن يحتاجونه في عمليات جراحية. وكذلك كل الهيئات الخيرية التي تحت عنوان:
Non-Governmental Organizations (N.G.O.’s).
ومن أصحاب القلوب الشفوقة: المشفقون على الخطاة.
ما أسهل معاقبة الخاطئ على خطيئته. ولكن العمل النبيل الشفوق هو إنقاذه من خطيئته. حتى بالنسبة إلى المسجونين. وقد قيل عن السجن أنه "تأديبٌ وتهذيبٌ وإصلاح" ونرجو أن يكون كذلك فعلًا، ولا يكون بيئة يؤثِّر فيها الشرير على الذي دخل السجن لسقطةٍ في تصرُّفه لا في طبيعته. من هنا فإن الدولة تسمح لبعض رجال الدين أن يعملوا في السجن على وعظِ المسجونين وهدايتهم.
كما يقوم بعض الخيِّرين بخدمةِ أولئك المسجونين، فيقدِّمون لهم ما يحتاجون إليه من ملابس، ومن أطعمة، ومن كتب، مع سائر حاجياتهم الأخرى. ويهمُّنا من هذه الشفقة والرعاية وأعمال الحُنوّ، أن يخرُج السجين غير ساخطٍ على المجتمع، وقد استفاد من فترةِ سجنِه أدبًا وتغيير حياة.
على أن القلوب المشفقة على المسجونين تقوم بعمليْن آخريْن: عمل منهما للمسجونين على ذمة التحقيق، قبل أن يُصدِر القضاء حكمَه. وهؤلاء قد يحتاجون إلى محامين يقومون بالدفاع عنهم. وتقتضي الشفقة تزويدهم بمستلزمات هذا الدفاع.
الأمر الثاني هو العناية بأسرة السجين العائل الوحيد لهذه الأسرة ويحتاج الأمر إلى رعاية الأسرة من كافة النواحي، والاستمرار في هذه الرعاية إلى أن يُطلَق سراح السجين، وربما بعد أن يُطلَق سراحَه أيضًا، حتى يدبِّر له مصدر رزق.
من عمل القلوب المشفقة على الخطاة أيضًا: الشفقة على ضحايا الإدمان، سواء في أولِ انحرافِهم أو بعد السقوط في الهُوَّة.
سهل جدًا أن نحكم على المدمنين، أو أن نتجنَّبهم، ولكن الشفقة نحوهم تقتضي تخليصهم مما قد تورَّطوا فيه. والعلاج هنا يمرُّ في مرحلتيْن: المرحلة الأولى عبارة عن علاجٍ طبي، لتخليصهم من تلك السموم التي دخلت في أجسامهم.
والمرحلة الثانية هي مرحلة التأهيل، وتحتاج إلى حجزهم في مكان بعيد عن كل الإغراءات التي قد تُعيدهم إلى التعاطي مرةً أخرى، ورعايتهم حتى يتم شفاؤهم تمامًا جسدًا ونفسًا.
وتقتضي الشفقة عليهم أمريْن آخريْن: أحدهما يتعلَّق بعائلاتِهم والصلة بها. والثاني بتوظيفِهم بعد الشفاء، ورد اعتبارهم.
هنا ننتقل إلى الحديث عن الشفقة على الخطاة بصفة عامة.
الناس على أنواع في تعاملِهم مع الخطاة: ما بين قسوة الحكم، أو مجرد الكلام والتشهير، أو العطف على هؤلاء الخطاة وإنقاذهم مما هم فيه. ولننظر أيضًا إلى موقف الله من الخطاة. ما أكثر ما يستُر الله على الخطاة. كم من الناس قد غطسوا في الشر حتى غطّاهم. ولا يزال الله يستُر. لم يكشفهم ولم يفضحهم.
ولم يعلِن بأية الطرق على خطاياهم. لأنهم ربما لو انكشفوا، لضاعوا وانسدَّ أمامهم الطريق إلى التوبة، بعد فقد ثقة الناس بهم.
الله الذي لا حدود لقداسته يستُر. بينما الناس يُشهِّرون بغيرِهم، على الرغم من أن لهم أيضًا عيوبًا وسقطات. ولكنها القسوة.
القلب القاسي باستمرار يحطِّم ويهدِم. وقسوته لا تُشفِق ولا ترحم. هو كالنار التي تأكُل كلَّ شيءٍ حتى نفسها.
أما القلب الشفوق، فإنه يستُر خطايا الناس. لا يتحدَّث عنها ولا يُشهِّر بها، ولا يقسو في الحكم عليها. بل قد يجد لأصحابها عذرًا! أو يخفِّف من المسئولية الواقعة عليهم. وإن قابلهم لا يفقد توقيره لهم، معطيًا إياهم فرصة لإصلاحِ حالتهم.
إن القلب الشفوق يعيش في مشاعر الناس، يتصوَّر نفسه في مكانهم. لذلك لا يسمح لنفسه بأن يجرح أحدًا. بل يبرهن على نقاوة قلبه بعطفِه على الكل. إنه يعرف أن الطبيعة البشرية حافلة بالضعفات، وأن أقوى الناس ربما تكون في حياته ثغرات.
وقد يسقط إن اشتدت الحروب الروحية عليه، وإن تخلَّت عنه النعمة الحافظة! لذلك فهو ينظر إلى الناس في حُنوّ، في قيامهم وفي سقوطهم أيضًا.
كان القديس يوحنا القصير، إن سمع عن أحد أنه سقط في خطية يبكي، فإن سُئل عن سبب بكائه يقول: "إن سقوط هذا الأخ يدل على أن الشيطان نشيط ويعمل. وإن كان قد أسقط أخي اليوم، فربما يُسقِطني أنا غدًا".
وهكذا في اتضاع لم يضع هذا القديس نفسه في مرتبةٍ أسمى من غيره، وبكل حُنوّ نظر إلى سقطة ذلك الأخ، ونسبَها إلى الشيطان لا إلى فسادِ طبع ذلك الذي سقط، ولهذا لم يحكم عليه في قسوة.
قال أحد الآباء: "إن لم تستطع أن تمنع ذلك الإنسان الذي يتكلَّم على أخيه بالسوء، فعلى الأقل لا تتكلَّم أنت".
إن القلبَ الحنون لا يعامل الناس بالعدلِ مجرَّدًا، إنما يخلِط بعدلِه كثيرًا من الرحمة. هذا لو كان عدله أيضًا صادقًا ودقيقًا.
إن القلبَ العطوف، لا يعامل الناس بالعدِل المطلق مجرَّدًا، ولا يجعل عدلَه عدلًا جافًا حرفيًا، يطبِّق فيه النصوص. بل يَخلِط بالعدل كثيرًا من الرحمة. أما الذي يصبُّ اللعنات على كلِّ مخطئٍ، دون أن يقدِّر ظروفه أو يفحص حالته، فإنه قلبٌ لا يرحم.
بل يجب عليه كذلك أن يقدِّر الظروف المحيطة، سواءً كانت عوامل نفسية أو وراثية، أو عوامل اجتماعية، أو تربوية. أو أسباب ضاغطة. أما الذي يصبُّ اللعنات على كلِّ مخطئ. دون أن يقدر ظروفه ويفحص حاله، فإنه صاحب قلب لا يرحم.
والقلب الحنون لا يحكم على أحد بسرعة. بل يعطي كل أحد فرصة للدفاع عن نفسه، ولتوضيح موقفه.
والقلب الشفوق لا يُكثِر اللومَ والتوبيخ.
وإن وبَّخ، يكون ذلك بعطفٍ وليس بقسوة، وقد يقدِّم لتوبيخِه بكلمة تقدير أو كلمة حب، حتى يكون التوبيخ مقبولًا، وإن احتاج الأمر منه إلى حزمٍ وشدَّة، فقد يفعل ذلك مضطرًا. ولكنه في مناسبةٍ أخرى يعالج بالحُنوِّ نفسية ذلك المخطئ، لكي يزيل منها ما علَق بها نتيجة للشدَّة السابقة.
والقلب الحنون لا يُخجِل أحدًا، ولا يجرَح أحدًا.
وقد يشير إلى الخطأ من بعيد، بألفاظٍ هادئة وربما بطريقٍ غير مباشر، وربما في السر وليس في أسماعِ الناس. أما الذي يرجِم الناس بالحجارة فعليه أن يتروَّى لئلا يكون بيته من زجاج!! وليعلم أن كل الفضائل – بدون المحبة – ليست شيئًا. والمحبة تتأنَّى وتترفَّق. والحِكمة هي أن يكسب الناس بالحُنوِّ، ولا يخسر الناس بالقسوة.
والقلب الحنون يعزِّي الناس في ضيقاتهم.
ويُشعِرهم بأن وراء كل ضيقة فرجًا يريده الله منها. وأن هذا الفرج قد لا نراه بالعين المادية، ولكننا نراهُ بالإيمان، بالثقة في عمل الله المحُب وحُسن رعايته للبشر. فالله – في محبته للبشر– لا يسمح أن تحل تجربة بإنسان تكون فوق طاقة احتماله. والتجارُب الشديدة التي رواها التاريخ، لم يسمح بها الله إلا لأشخاص أقوياء يحتملونها.
كما حدث لأيوب الصديق. الله أيضًا يجعل مع التجربة المنفذ، ويجعلها تؤول إلى النفع إذا ما أحسن الإنسان استخدامها.
لذلك فصاحب القلب الحنون يُنصِح بأنه رغم أن المتاعب قد تحيط به من الخارج، ولكن ليس من الحكمة أن تدخل تلك المتاعب إلى داخل النفس.
مثال ذلك السفينة الكبيرة التي تمخُر عِباب المحيط، قد تضطرب الأمواج وتعلو من حولها. ولكن السفينة تظل سائرة نحو هدفها في رصانةٍ وهدوء، طالما أن المياه لا تزال خارجها. مسكينة تلك السفينة، إن وُجِد ثقب فيها، استطاعت به المياه أن تتسرب إلى داخلها.
الفصل الخامس أمراض القلب
أمراض القلب
1- قساوة القلب
القساوة مكروهة من الجميع، إلاَّ من القساة أنفسهم. وهي منفِّرة، ولها نتائج سيِّئة عديدة. وهي ضد الرحمة والرأفة والرِقة، وضد الوداعة والاتضاع.
مظاهر القسوة
ومن مظاهر القساوة: الكلمة القاسية، والنظرة القاسية، والمعاملة القاسية، والعقوبة القاسية، والتوبيخ القاسي، والعتاب القاسي، وغير ذلك، أي أن القلب القاسي يبسط قساوته على تصرفاته. وقد تكون قساوته على الجسد أو على النفس أو كليهما. وسنحاول أن نطرِق كل هذه الأمور، كما نبيِّن أسباب القساوة ونتائجها.
مصادر القسوة
غالبًا ما تكون القسوة ناتجة من استبداد القوي بالضعيف، والعمل على قهره، في حين لا يستطيع هذا المسكين أن يدافِع عن نفسه، أو أن يقاوم بَطش القوي! والعجيب أن هؤلاء القساة لا يوبِّخهم ضميرهم، بل إنهم يعتبرون بطشَهم دليلٌ على ما يتمتعون به من قدرةٍ وقوَّة! أو إنه دليلٌ على سلطانِهم وسيطرتِهم.
مجالات القسوة
وقد تصدُر القسوة في محيط الأسرة، من أبٍ يُخطئ في فهمِ أسلوب التربية السليمة، ويظن أن الحزمَ في تربيةِ أبنائِه يعني القسوة عليهم لكي يتأدَّبوا!! وهكذا يضيِّق عليهم في كلِّ شيء، ولا يعطي لشخصياتهم فرصة للنمو، بل على العكس يجعلهم يعيشون في جوٍ من الأوامر والنواهي، وفي لون من الحصر النفسي، مما يجعلهم يكرهون البيت الذي يعيش فيه هذا الأب العنيف القاسي، وقد يهربون من قسوته، ملتمسين صدرًا حنونًا وحضنًا دافئًا يحتويهم، وربما يقودهم ذلك إلى الضياع أو الضلال.
وربما تحدُث هذه القسوة من زوجٍ ضد زوجتَه، باعتبارِه رب البيت، وله سلطان على الزوجة، فيهينها ولا يعاملها برفق، ولا يشفِق عليها في أي تقصيرٍ مهما كان غير مقصود، أو ما يعتبره هو تقصيرًا حسب وجهة نظره. وبهذا الوضع يختفي الحب من بيت الزوجية، وتحلُّ محلَّه السلطة والنفوذ. وقد تتهدَّد الحياة الزوجية بالتفكُّك، والزوج لا يبالي. وكل ما يهمه أن يحتفظ بمركزه كرجل البيت القوي، الذي كلُّ شيءٍ في نطاق قوته وسلطانه!!
في بلاد الغرب - أمريكا مثلًا - إذا قسا الرجل على زوجته أو أولاده، أو إن ضرب أحدًا منهم، بإمكانهم اللجوء للبوليس تليفونيًا، فيأتي ويقبِض عليه ويبيت في الحبس، ويُحقَّق معه. وفي بلاد الشرق يمكن أن تلجأ الزوجة إلى القضاء وتطالِب بالانفصال عن زوجها لسوء معاملاته. غير أن كثيرًا من النساء يقبلن القسوة من الزوج في صبر، باعتباره أبو الأولاد، وعائل الأسرة وسند البيت، ويعرف الزوج هذه الحقيقة ويستمر في قسوته!
وأحيانًا يقسو أبو الأولاد (من زوجته الأولى) عليهم، بسبب زوجته الحالية التي توغِر صدره ضدهم، لأنها لا تحبهم، وقد تصدر القسوة منها مباشرة ضد هؤلاء الصغار، ولذلك يكره الأبناء زوجة الأب ويصفونها بالقسوة.
نفس الاستبداد بالضعفاء والقسوة عليهم، يحدث في مجال العمل، من مدير قاسٍ ضد موظِّفيه أو مرؤوسيه. وذلك بحكمِ سلطانِه عليهم، وشعوره بالقدرة على التدخل في مصائِرهم. وما أسهل أن يكتب تقارير شديدة ضد بعضهم تسيء إليهم، ويستغلهم بتهديده بالخصم من مرتبهم، بل والفصل من الوظيفة. ولهذا نادرًا ما يشكو هؤلاء الموظفون من رئيسهم القاسي، بل قد يتملَّقونه في جبن، حِرصًا منهم على بقاءِ مصدر رزقهم، وخوفًا من هذا الإذلال الذي يقاسونه من هذا القاسي! فيهبط مستوى نفسياتهم.
الرجل النبيل أو الروحاني، يحاول باستمرار أن يُخضِع نفسه بتداريب من ضبط النفس، وبخاصة في حالة الغضب، أما الشخص القاسي فهدفه أن يُخضِع غيره له، اعتزازًا منه بقوته، غير مبالٍ بالمثاليات. ومسكينٌ من يقع في يده، لهذا صدق داود النبي حينما قال: "فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ" (2صم24: 14).
القسوة تحدُث أحيانًا في مجالِ العقوبة، حينما تكون فوق الاحتمال، وبعدم النظر إلى ظروف المخطئ. وما أكثر ما يحدُث بطريقٍ غير مباشر، أن تصيب العقوبة أيضًا أسرة المخطئ. لأنه هو عائل الأسرة. ومعروف المثل ".. أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ" (مت31:26). لذلك يحسُن أن ينظر المجتمع في معاقبةِ المخطئين إلى الحالةِ الاجتماعية وليس إلى مجرد الفرد!
القسوة كذلك تأخذ مجالها في "أجورِ العاملين"، فالرجل الثري الذي يملك المصانع والشركات والمشروعات، وكذلك الغني الذي يحتكر السوق، إذا حدث من هذا أو ذاك أنه أعطى العاملين تحت يده أجورًا زهيدة لا تكفي معيشتهم مع غُلُوّ الأسعار، فهذه بلا شك قسوة منه، وعدم مبالاة بحاجة الآخرين وعوَزَهم. هؤلاء مذلتهم تصرخ إلى الله، ويصرخ معها كل المهمشين في المجتمع الذين لا يجدون رزقًا ولا وظيفة.
إن إذلال الناس قسوة لا يرضاها الله: "مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أيضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ" (أم21: 13). لأنه "بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (لو6: 38). فليلتفت القساة إلى أنفسهم، لئلا يأتي الوقت الذي فيه يجازيهم الله حسب أعمالهم.
متى يلين إذًا قلب القاسي ويتخلَّص من قسوته؟ ومتى يرحم غيره لكي يعامله الله بالرحمة؟ متى يعرف أن الفترة التي يمارس فيها القسوة على الأرض هي فترة محدودة إذا ما قيست بالأبدية غير المحدودة. ويفيق من غفلته وفي نبلٍ يشعر بآلام غيره والمعاناة التي يسببها لهم.
حسنٌ أن يعيش الإنسان سعيدًا، ولكن إن أسعد غيره، فإنه يشعر بسعادة أكثر. فإن كانت في يده سلطة أو ثروة، ليته يستطيع أن يُسعِد بها الآخرين، فيدعون له أن يبقيه الله وينمِّيه، ويطرح الخير كل الخير فيه.
وإن كانت القسوة سببها السلطة أو محبة السيطرة، فإن السلطة لا تدوم، إنما هي اختبار للإنسان كيف يستخدمها؟ هل لإسعاد غيره، أو لإثبات عظمته هو وقدرته على إخضاع الغير؟! حقًا إن في القسوةِ لونًا من الكبرياء يجب أن يتخلَّص منه القلب النبيل الحريص على أبديته، كذلك فإن القلب الحساس الذي يشعر بآلام الغير ويشفِق عليهم لا يمكن أن يكون قاسيًا في يومٍ ما، على أيّ أحد.
2- الكبريـاء
خطورتها أنها الحرب التي سقط بها الشيطان، وذلك حينما قال في قلبه: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش13:14-14).
وكذلك استطاع الشيطان أن يُسقِط بها الإنسان الأول، وهكذا قال لآدم وحواء: ".. وَتَكُونَانِ كَاللهِ.." (تك5:3).
وبها حلَّ غضب الله على هيرودس، فضربه ملاك الرب فمات. لأنه بكبرياء لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ (أع21:12-23). ولذلك ما أخطر قول الكتاب: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم18:16).
ولعل السبب في هذا، أن المتكبِّر تتخلَّى عنه النعمة فيسقط. كما أن الله يضربه فينكسِر. يقول الكتاب: "إن الرب يدوس على كبرياء البحر. عند ارتفاع لُججه، هو يسكِّنها" (مز89: 9). بل يقول أيضًا: "إن لرب الجنود يومًا على كلِّ متعظِّمٍ وعالٍ، وعلى كلِّ مرتفعٍ فيوضع. وعلى كلِّ أرزِ لبنان العالي المرتفع، وعلى كلِّ بلوطِ باشان. وعلى كلِّ الجبالِ العالية، وعلى كلِّ التلالِ المرتفعة، وعلى كلِّ برجٍ عالِ، وعلى كلِّ سورٍ منيع. وعلى كلِّ سُفنِ ترشيش، وعلى كلِّ الأعلامِ البهِجة. فيخفض تشامخ الإنسان، وتوضع رِفعة الناس، ويسمو الرب وحده في ذلك اليوم" (إش12:2-17).
وهكذا يقول الرسول في صراحة: "يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً" (يع6:4).
حقًا ما أخطر عبارة "يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ". من ذا الذي يستطيع أن يَثبُت، إن كان الله يقاومه؟! وهكذا قال عن أيوب لما صار بارًا في عينيّ نفسه: ".. اَللهُ يَغْلِبُهُ لاَ الإِنْسَانُ" (أي1:32-13).
الشيطان أيضًا شغوف بإسقاطِ الأقوياء. ولذلك قيل عن الخطية أنها: "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم26:7).
ما هي الكبرياء؟
هي ارتفاع القلب وحالة إنسان يكبر في عينيّ نفسه. ويريد أن يرتفع في أعين الناس بل قد يقف أمام الله في كبرياء! قد يكون بَارًّا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ. (أي1:32).
ويسمَّى هذا الشعور "خطيَّة البِر الذاتي". وقد حذرنا الكتاب من هذا الأمر فقال: "عَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. لاَ تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ" (أم3: 5). وقد يظن إنسان في نفسه أنَّه قويّ أو عظيم. وفي كل ذلك يُصاب بالخيلاء وهذا كله يسمونه "المجد الباطل". وقد تأتي الكبرياء بمعناها الذاتي.
أو بالأسلوب المقارن كأن يقارِن الإنسان نفسه بغيره، فيرى أنه أبرُّ من هذا، وأقوى من ذاك، وأفضل من هؤلاء. وقد فعل الرجل الفريسي هذا الأمر، وافتخر بأنه أفضل من العشار (لو11:18).
ومن هذا المثال نخرج بنتيجة أخرى وهي...
هناك كبرياء مخفاة في القلب: وكبرياء ظاهرة للناس ومن أمثلة الكبرياء الظاهرة: الافتخار، إذ يعلنها اللسان حينما يتحدث الإنسان عن نفسه، ويمدح ذاته أمام الآخرين.
وأيضًا من أمثلة هذه الكبرياء الظاهرة: التعالي على الآخرين، وأيضًا الكبرياء الواضحة في مظهر الإنسان.
وقد قسَّم الآباء الرهبان هذه الكبرياء إلى نوعيْن: عجرفة علمانية، وعجرفة رهبانية..
أما العجرفة العلمانية: فهي لأسبابٍ يُسرُّ بها العلمانيون خاصة بالمظهر الخارجي كالعظمة الواضحة في نوعية الملابس والأثاث والمرْكبات، وألوان الزينة والحلي، والعظمة في طريق الكلام وفي المشي وفي الجلوس، وفي أسلوب التخاطب، والنفخة والعنجهية، والنظرة المتعالية.. إلخ.
أما العجرفة الرهبانية: فلها الطابع الرهباني الذي يظن به الراهب أنه يعلو في نظر غيره، من جهةِ الصمت والوحدة، ومظاهِر الزُهدِ والنُسك، والصمت أو الحديث عن الدرجات الروحية العليا.
شيء أن يظنُّ الإنسان أنه كبير، وشيء آخر أن يعامِل الناس على هذا الأساس، ويطلب معاملته ككبير.
فيكلِّم الناس من فوق، ويُشعِرهم أنه أكثر منهم علمًا وفهمًا، أو أعلى منهم مركزًا، ويتطلب لونًا من الاحترام، ويرى أنه دائمًا على حق وغيره هو المخطئ. ويتعامل مع الناس بأسلوب لا يقبل على نفسه أن يعاملوه به.
أسباب الكبرياء
قد يتكبَّر الإنسان بسبب صِفات ذاتية فيه، أو بسبب ظروف محيطة به..
فقد يكبر في عينيّ نفسه بسبب قوَّته، أو ذكائِه، أو علمِه، أو جمالِه، أو شكلِه، أو بسبب مركزِه ومنصبِه، أو غناه أو قرابتِه لأشخاصٍ كبار. أو قد يكون سبب كبريائه ما حباه الله به من مواهب ونِعم، كالمواهب الفنية في الرسم أو الموسيقى أو الشعر أو رخامة الصوت. أو مواهب أخرى عقلية أو روحية. فقد يكبر في عيني نفسه بسبب قدرته على الصوم، أو دموعه في الصلاة، أو بسبب مطانياته وتأملاته وسهره، أو بسبب مواهب في صنع المعجزات، أو استجابة صلواته.
والعجيب أن غالبية المتكبرين هم من النوع الذي أحسن الله إليه. فبدلًا من أن تقوده إلى الشكر، ينحرِف بها إلى العظمة والكبرياء!
والمفروض أن الإنسان كلما كثُرَت مواهبه يتَّضِع.
كما قال القديسون إن الشجرة الجيدة المحمَّلة بالثمار، تنحني أغصانُها إلى أسفل، من ثِقل ما تحمله من ثمر. أما الشجرة التي بلا ثمر، فإن الريح ترفع أغصانها إلى فوق، بسبب الخِفة. عجيبٌ أن يكون الممتلئون متضعين، بينما الفارغون يرتفعون! المفروض أن يتَّضِع أصحابَ المواهب، عارفين تمامًا أن هذه المواهب هي من الله لهم، ولا فضل لهم فيها.
فيعطون المجد لله الذي وهب، وليس للإنسان الذي أخذ. كما قال المرتِّل في المزمور: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا.." (مز1:115). فيشكرون الله على عطيتِه، ويشعرون بعدم الاستحقاق لها. ما أصعب المواهب وما أكثر الذين لم يستطيعوا احتمالها!
وما أصدق الأنبا أنطونيوس الكبير حينما قال: "إن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة". فكثير من الذين نالوا مواهب، لم تسَعهم الدنيا بسببها، وتغيَّر قلبهم من الداخل، وتغيَّرت معاملاتهم للناس، حتى لأصدقائِهم! وسقطت نفوسهم وكما قال الشاعر:
لما صديقي صار من أهلِ الغِنى |
| أيقنت أنّي قد فقدت صديقي |
إن افتخر الإنسان بموهبة، ما أسهل أن يأخذها الله منه.
وذلك رحمة من الله، حتى لا يهلَك هذا الإنسان بسبب مواهبه، أو يكون سحْبها عقوبة له لأنه أساء استخدامها. أو النعمة تأخذ منه الموهبة، حتى يشعر بضعفِه فيتَّضع. لذلك كثيرًا ما سقط أصحاب المواهب. قال أحد القديسين: "المفتخِر بالعِفَّة يقع في الزنا. والمفتخِر بالمعرفة قد يقع في البِدعة والهرطقة. والمفتخِر بالقداسة يقع في فِخاخ الشياطين".
وكثيرًا ما يهِبْ الله مع المواهب ضيقة، لكي تحفظها.
مثلما قال القديس بولس الرسول: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ" (2كو7:12).
ومثل الضيقات التي أصابَت داود الموهوب، الذي كان شاعرًا وموسيقيًا ويُحسِن الضرب بالعود، "وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ وَرَجُلُ حَرْبٍ، وَفَصِيحٌ وَرَجُلٌ جَمِيلٌ.." (1صم18:16). وفي ضيقات داود قال: "خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ" (مز119: 71).
وبالمثل الضيقات التي حفَظَت تواضُع يوسف الصِدِّيق، الشاب الجميل الناجح المحبوب. وهكذا نصح القديسون مَن يأتيه موهبة، بأن يصلِّي إما أن يعطيه الله ضيقة تحفظها، أو أن يرفعها عنه.
مظاهر الكبرياء
1- من مظاهر الكبرياء الافتخار والحديث عن النفس.
وأحيانًا يقدَّم هذا الافتخار في صيغة صلاة أو شكر، كما فعل الفريسي الذي قال: ".. اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ.." (لو12،11:18).
والإنسان المفتخِر بأعمالِه الحسَنة، يتكلَّم بأسلوبِ أنصافِ الحقائق. فهو يذكُر أعمالَه الحَسنة، وينسى ضعفاته وخطاياه. وحتى ما فعله حسنًا، ينسى فيه معونة النعمة، وما شارك به الآخرون في نجاح العمل. أما المتواضعون، فيركِّزون في نجاحِهم على عمل الله معهم، ويُظهِرون في شكر ما فعله الآخرون. والمتواضعون يتحدثون بالأكثر عن أخطائهم ويُخفون فضائلهم.
مثال ذلك بعض رهبان الإسقيط، الذين كشفوا للأم سارة عيوبَهم ونقائِصهم فقالت لهم: "بالحقيقة إنكم إسقيطيون لأنكم تُخفون فضائلكم وما ليس فيكم من الرذائل تنسبونه إلى أنفسكم".
2- والمتكبِّر يتباهى بالمعرفة، ويحطِّم آراء غيره ليُثبِت تفوُّقه عليه.
وقد يلغي المفهوم العام المعروف عند الناس ليقدِّم جديدًا من عنده. وبهذا الأسلوب وقع البعض في البدعة. أما المتواضِع فقد يجلِس وسط الناس صامتًا، وفيه كنوز من المعلومات. وبعض الآباء كانوا يتظاهرون بالجهل وهم عُلماء. وقد مدَح القديس أنطونيوس الأنبا يوسف بقوله: "طوباك يا أنبا يوسف، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف". وأليهو في قصة أيوب الصديق صمت فترة طويلة تواضعًا لأن المتكلمين كانوا أكبر منه سنًا.
والإنسان المتواضِع إذا أظهر شيئًا من معرفته، يتكلَّم بأدبٍ شديد وبحِرص، حتى لا يظهر عارفًا بما يجهله غيره.
وفي خلال حديثِه يُظهِر إعجابه ببعضِ عبارات قالها غيره. ويحاول أن ينسب معلوماته إلى مصدرِها لا إلى نفسه. بعكس المتكبِّر الذي قد يقرأ أو يسمع رأيًا، فيقوله كأنه صادرٌ عنه هو. ويخجَل أن يورد اقتباسات من آخر.
3- والمتكبِّر قد يقاطِع غيره في الحديث، وقد يهزأ به.
يريد أن يسكت غيره، ليتكلَّم هو. لأن رأيه – في نظره – هو الأفضل وهو الأحق بالسماع. وقد يعلو صوته على غيره في الكلام. وقد يهاجمه ويتهكم عليه. ويخرُج عن الموضوعية في حديثِه إلى التعليقات الماسَّة بالشخصية.
4- والمتكبِّر يتمركَّز دائمًا حول ذاته.
وقد يصبح أنانيًا: ذاته هي مركز اهتمامه، لها المديح والكرامة والظهور والأضواء.
حتى في الصلاة، لا يهتم بالحديث مع الله، بقدر ما يهتم أن يكون رجل صلاة، فيهتم بحرارة الصلاة وخشوعها، وبالدموع ولو عصرها عصرًا، كذلك تظهر ذاته في صومِه وفي عطائِه وفي خدمتِه، بعكس المِعمدان الذي قال: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو30:3).
5- والمتكبِّر يكون عنيدًا، لا يتنازل عن رأي ولا عن تصرف.
لا يخضع لغيره، ولا يتنازل عن رأيه. مهما كان الرأي الآخر مُصيبًا. ويرى أن التنازل ضد كرامته وضد هيبته. وقد تطول المناقشة معه، دون الوصول إلى نتيجة. ولا يكون سهل التفاهم. ويصل إلى حد "المقاوِم"، مُريدًا أن يقيم كلمته.
6- والمتكبِّر لإثباتِ تفوُّقه، يقع في المنافسات، وفي الغيرة والحسد.
إنَّه يُحِب دائمًا المتَّكأ الأول. وفي بعضِ الأحيان لا يكتفي بأن يكون الأول، بل يريد أن يكون الوحيد.
ولذلك تملُكه الغيرة المُرّة مِن كل مَن يراه منافسًا له. ولا يفرَح بنجاحِ غيره، بل قد يكون كثير الانتقاد والإدانة لغيره الذي يظن أنه يسحَب الأضواء منه. فيقع في الحسد.
كما يقول القديس أغسطينوس: "الحسود يتغذَّى بسقطاتِ الآخرين".
7- وقد يصل المتكبِّر إلى القسوة والغضب والعنف.
ويستخدم هذا العنف ضدَّ كل مَن يشعر أنه يقف في طريقه، أو يمِس كرامته، أو ينافسه. وقد يعلو صوته في غضب أو انتهار أو شتيمة أو تهديد، بل وقد يصل إلى التحقير أيضًا والازدراء.
8- والمتكبِّر لا يميل إلى الاستشارة، ولا إلى الطاعة.
حتى مع أب الاعتراف، يريده منفِّذًا لرأيِه وقراراته. وقد يبعُد عن استشارته، حتى لا تصطدم رغبته بمشورةِ الأب فيضطر أن يعارِض مشورته.
9- ويحلو له أن يقارِن نفسه بغيره، مُظهِرًا أنَّه الأفضل في كلِّ شيء.
10- وقد يكون دائم التذمُّر والشكوى.
شاعرًا أنه لم ينل ما يستحق، وأن حقيقته أفضل من الوضع الذي هو فيه. ولذلك هو لا يعرف القناعة مطلقًا. إن الشيطان كان ملاكًا عظيمًا، ولم يقنَع بوضعه.
11- والمتكبِّر يُحِّب أن ينال المواهب ويود لو صنع المعجزات.
ليس من أجل استخدامها لخير الآخرين، إنما من أجل محبته للكرامة والشهرة. لا يسعى إلى ثمار الروح، بل إلى مواهبها.
12- والمتكبِّر كثيرًا ما يصاب بأمراضٍ نفسية.
قد يصل إلى البارانويا "جنون العظمة". وقد يصل إلى الانطواء، لأن المجتمع لا يعطيه حقه. وقد يصل إلى العنف والاعتداء دفاعًا عن كرامته.
لا تقسوا قلوبكم
لا تقسوا قلوبكم
أيضًا قساوة القلب من أهم الأسباب التي تعوق التوبة. لذلك فإن بولس الرسول يكرر في رسالته إلى العبرانيين، هذه النصيحة العميقة:
"إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب3: 8، 13، 15 و4: 7).
لا تقسوا قلوبكم
الإنسان الروحي، أقل كلمة تؤثر فيه. أقل دعوة من الله، تلين قلبه. أقل عمل من الروح القدس يذيبه حبًا لله...
أما الإنسان القاسي القلب، فإنه لا يتأثر بسرعة...
كل الوسائط الروحية لا تغيره، مهما اعترف وتناول، ومهما سمع من وعظ، ومهما قرأ من كتب روحية... قلبه تقسّى... كالغصن، إن كان لينًا يمكنك أن تعدله. أما الغصن الناشف فلا يمكن له ذلك، كما قال الشاعر:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب
هناك قلوب قاسية، مهما عمل معها الله لا تستجيب. مثل قلب فرعون القاسي الذي لم تلينه الضربات العشر.
في كل ضربة، كان يتأثر وقتيًا، ويصرخ طالبًا العفو، ويقدم وعودًا لله، ثم يرجع بقسوته مرة أخرى إلى الخطية! كان الله يريد له بالضربات أن يتوب. وعاقته قسوة قلبه...
هناك قوم - كفرعون - لا يستجيبون لعمل الروح القدس فيهم، لأن قلوبهم قاسية، يجذبهم الله بعظة، بمرض، بتجربة، بوفاة أحد الأحباء، فيتأثرون وقتيًا. ثم ترجع قلوبهم إلى قسوتها...
لا يؤثر فيهم اللطف، ولا تؤثر فيهم الشدة. قلوب قاسية: لا تتأثر بالوسائط الروحية، ولا بالتجارب والضيقات..
خذوا مثالًا لذلك امرأة لوط، وكم عمل الرب معها.
لم تؤثر فيها مناظر الناس الأشرار في سدوم، بل زوجت بناتها من أهل المدينة الخاطئة. ثم سُبيت في حرب كدرلعومر، ولما نجاها إبراهيم عادت إلى المدينة. ورأت محاولة اعتداء الناس على الملاكين، وكيف ضُربوا بالعمى، وبقيت لاصقة بالمدينة. وسمعت تحذير الملاكين وإنذارهما بحرق المدينة، وأمرهما لهم بمغادرتها، ثم سحبهما لكل الأسرة سحبًا خارج المدينة، خوفًا من الحريق... ومع ذلك لم يتأثر قلبها القاسي، ونظرت إلى الوراء!
قساوة القلب، رقّ لها في إحدى المرات، قلبٌ في الجحيم، أما هي فلم ترق. كما في قصة الغني ولعازر:
طلب الغني من أبينا إبراهيم أن يرسل إلى أهله لعازر، لينذرهم كي لا يأتوا إلى العذاب مثله. فأجاب أبونا إبراهيم: ولو قام واحد من الموتي، فإنهم لا يصدقون ولا يؤمنون!
إنهم شعب صلب الرقبة، كما قال الرب عن إسرائيل.
كل لطف الرب معهم، لم يلين قلوبهم القاسية.
أنقذهم الرب من العبودية، شقّ لهم البحر الأحمر، أرشدهم بالسحابة نهارًا، وبعمود النار ليلًا. أنزل لهم المَنَّ والسَّلوَى، وفجر لهم الماء من الصخرة، وعاملهم بكل حب واهتمام. وفي قساوة قلوبهم، لم يفارقهم التذمر. وعبدوا عجلًا ذهبيًا. وقال الله عن هذه القساوة:
"طول النهار بسطت يديّ، إلى شعب معاند مقاوم" (رو10: 21)...
القلب القاسي كالأرض الصخرية، لا يمكن أن تأتي بثمر، مهما فلحتها، ومهما ألقيت فيها بذارًا، ومهما رويتها بالماء. في قساوة القلب لا يتأثر ولا يستجيب ولا يبالي. بعكس القلب اللين الحساس لعمل الخير.
ولنا مثال في ذلك، نابال الكرملي وامرأته أبيجايل.
سمع نابال رجاء داود وطلبه وهو في ضيقة، ولم يتأثر. وسمع تهديد داود وتصميمه المرعب، ولم يتحرك ولم يبال... أما زوجته أبيجايل، فكانت على عكس هذا: حالما سمعت الخبر، تحركت بكل إيجابياتها نحو الخير، وأخذت هداياها، وركبت دابتها، وقابلت داود. وبكل حكمة ولطف ورقة، أصلحت الموقف كله... أما زوجها فقد انطبق عليه قول سليمان: "إِنْ دَقَقْتَ الأَحْمَقَ فِي هَاوُنٍ .. لاَ تَبْرَحُ عَنْهُ حَمَاقَتُهُ" (أم27: 22).
لنأخذ مثلاً آخر، هو شمشون الجبار..
كان نذيرًا للرب، وقد حل عليه روح الرب، وعمل الله به عجائب ومع ذلك مرَّ عليه وقت، وقع فيه في قساوة القلب... حينما تعرف بدليلة. وظلت الخطية تقوده خطوة فخطوة، حتى تقسى قلبه لعمل الروح فيه. وكم من مرة رأى نتائج خطيئته أمام عينيه، ولم يتب. ورأى كيف سلمته المرأة إلى أيدي أعدائه، وأراه الروح أنها غير مخلصة له، ولكن قلبه لم يكن يستجيب لنداء الروح وقتذاك. كان قد تقسى...
وظل قلبه في قسوته، لا يستجيب لعمل الروح، حتى اِنهار الجبار، وفقد نذره وشعره وبصره، واقتيد أسيرًا!!
ما أقسى القلب الذي يسمع صوت الرب فلا يستجيب! مثال ذلك فيلكس، الذي لما سمع حديث بولس عن البر والدينونة والتعفف، ارتعب، وهذا يدل على صوت الله في قلبه. ولكنه بدلًا من أن يستجيب بالتوبة، قال لبولس: "الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ!" (أع24: 25).
إن القلب القاسي، يهرب من صوت الله، ولا يخضع...
وعندما يُقسي الإنسان قلبه، يرفض الدعوة الإلهية. أما الابن الضال، فلمَّا تكلم الله في قلبه، قال: "أَقُومُ، وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي.." (لو15: 18). وللوقت قام وذهب إلى أبيه.
القديس أُغسطينوس، مرَّ عليه وقت طويل في الضلال، ليس لأنه قسى قلبه، وإنما لأن الصوت لم يكن قد وصل إليه. ولما وصله صوت الله استجاب، وتاب، وصار قديسًا.
وبالمثل مريم القبطية، على الرغم من طول حياتها في الخطية، لما وصلها صوت الرب، للحال استجابت، وسارت في حياة القداسة.. وهكذا أيضًا بيلاجية.
شاول الطرسوسي، على الرغم من اضطهاده للكنيسة، لم يكن قاسي القلب. ولما وصله صوت الله، استجاب للتو.
وعلى الرغم من أنه كان يَجرُّ رجالًا ونساءً إلى السجن، وكان يضطهد هذا المذهب بكل إفراط، إلا أنه لم يقاوم الدعوة الإلهية، ولم يناقش، ولم يستشر لحمًا ولا دمًا. لم يقسِ قلبه، وإنما استجاب بكل سهولة وبكل رضا... وتغير من شاول إلى بولس، بطريقة تعجب لها الكل.. هناك من يتقبل كلمة الله، كمن وجد غنائم كثيرة.
داود النبي، اشتهى وزنى وقتل. ولكن لما أتاه صوت الله، وجد قلبًا مستجيبًا، تاب، وبلل فراشه بدموعه...
وبالمثل بطرس الرسول: جحد وأنكر، وسبّ ولعن، قال لا أعرف الرجل. ولكن ما أن تذكر كلمة الرب لما صاح الديك، حتى بكى بكاءً مرًا، بقلب يذوب حبًا للرب، لا قساوة فيه. لهذا يقول الرسول: "إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ".
إن سمعتم صوته يدعوكم للتوبة، أو يدعوكم للخدمة...
متى العشار، كان في مكان الجباية، مشغولًا بالمال وبالعشور والظلم. وسمع كلمة واحدة هي "اتْبَعْنِي" فللوقت ترك كل شيء، وقام وتبع الرب. لم يقس قلبه.
وبالمثل سمعان وأندراوس، لما سمعا صوت الرب: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ" (مت4: 19)، للوقت تركا كل شيء وتبعاه. تركا السفينة والشباك والصيد والأسرة. لم يناقشا، ولم يقسيا قلبيهما...
إنما استجابا للصوت، بإيمان، بسرعة، وبفرح...
عذراء النشيد، لما سمعت صوته، تقسى قلبها في بادئ الأمر. كان الصوت يسيل رقةً وحبًا: "اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي!..." ولكنها تقست ولم تفتح، وقالت: "قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي، فَكَيْفَ أَلْبَسُهُ؟ قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟".
ولكنها لم تستمر في قسوتها، بل قالت: "حَبِيبِي مَدَّ يَدَهُ مِنَ الْكَوَّةِ، فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي... نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ"...
وخرجت تبحث عنه في كل مكان وتوصي بنات أورشليم قائلة: "إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" (نش5: 2-8).
هذا هو القلب الحساس، الذي لا يحتمل غضب الرب.
لسنا نقول عن القلب القديس أنه لا يخطئ. فالجميع أخطأوا، ولكنه قلب إن أتاه صوت الله، لا يستطيع أن يستمر في الخطية. لا يتقسى، بل يستجيب..
داود أخطأ، لكنه رجع بسرعة، وبلل فراشه بدموعه. وبطرس أخطأ، ولكنه خرج خارجًا وبكى بكاءً مرًا.
لم تقس قلوبهم، فدموع التوبة دليل العاطفة والحساسية.
ما مظاهر هذه القسوة؟
أول علاماتها أن الإنسان لا يتأثر بعمل الله فيه.
القلب اللين سريع التأثر: دموعه دائمًا في عينيه، وتوبته دائمًا في قلبه، ورجوعه سهل وبسيط.
أما القلب القاسي فلا يتأثر، مهما كلمه الله، ومهما عمل فيه الروح. لا الكلام الروحي يؤثر فيه كما كان يؤثر من قبل ولا الكنيسة ولا الأسرار ولا الألحان تعصر قلبه، لا شيء من الوسائط الروحية يذيب قلبه أو يلهبه.. دموعه جفت، وقلبه تقسى.
الجفاف، الفتور، عدم التأثر، كلها مظاهر للقساوة الداخلية...
لا يكون الإنسان شجرة مثمرة، لا يشعر بعصارة الحياة تسري في عروقه. لا يخضر، ولا تفوح رائحته الذكية...
يكون كجثة في الكنيسة، لا تتحرك، لا تتغير، لا تتأثر...
مثل هذا الإنسان تكون توبته صعبة...
يقول بولس الرسول في (عب 6): "لأَنَّ أَرْضًا قَدْ شَرِبَتِ الْمَطَرَ الآتِيَ عَلَيْهَا مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَنْتَجَتْ عُشْبًا صَالِحًا.. تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ اللهِ. وَلكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكًا وَحَسَكًا، فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ اللَّعْنَةِ، الَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ".
مسكينة هذه الأرض، التي قلبها قاس، ودموعها جافة، وهي كثيرة العناد، كثيرة النقاش... فما هي أسباب هذه القسوة، وكيف تعالج؟ كيف يصير القلب قاسيًا، وكيف يتخلص من قسوته؟
أسباب قساوة القلب
أسباب قساوة القلب
حلاوة الخطية
من أهم الأسباب لقساوة القلب، حلاوة الخطية، كما يقول سليمان الحكيم: "الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ" (أم9: 17).
حلاوة الخطية تضع غشاوة بين الإنسان ومحبة الله، فيتقسى القلب. وهكذا حدث منذ البدء، في قصة حواء والشجرة...
نظرت المرأة، فإذا الشجرة شهية للنظر، وبهجة للعيون وجيدة للأكل. وحلاوة الخطية، أنستها الوصية، وقست قلبها...
ومن أهم الأمثلة في هذا المجال، قصة شمشون نذير الرب.
كان روح الرب قد حلَّ عليه. ولكنه لما أحب دليلة، وأخطأ، تقسى قلبه فلم يعد يسمع صوت الروح فيه. وعلى الرغم من اتصال المرأة بأعدائه ضده، ومعرفته بذلك، إلا أن حلاوة الخطية سدّت أذنيه عن سماع إنذارات الله، حتى ضاع الجبار...
الخاطئ كلما يصله صوت الله، تسدّ حلاوة الخطية أذنيه، فيتقسى قلبه ولا يسمع ولا يستجيب. ويتحول إلى شخصين: أحدهما رقيق جدًا في محبته للخطية، والآخر قاسيًا جدًا في صدوده عن الله...
مثل زوجة أب، توغر صدره ضد أبنائه، فيصير قاسيًا في معاملته لهم، بينما يكون رقيقًا جدًا في معاملته لزوجته...
وهكذا نحن في الخطية: الحب والرقة والاستجابة نعطيها للشهوة، أما القسوة والصدود فنعطيها لله.
وفي شعورنا بحلاوة الخطية، ندخل في اِزدواج الشخصية.
وكما قال بولس الرسول: ".. الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 19). (لست أريده) تعني صوت الروح فيه، أما (إياه أفعل) فتعني القلب الرافض لله الذي يصدّ الروح.
كطالب أيام الامتحانات، صوت يقول له: قم للمذاكرة، مستقبلك، دروسك... وحلاوة النوم تقسي قلبه، لينتظر ويتماهل متمتعًا بالنوم وهكذا بنفس الشعور لا يقوم العابد للصلاة...
حلاوة الخطية توجد منافسًا لله في القلب، فلا يستجيب لله.
مثل قصة الشاب الغني، الذي أتى للمسيح، طالبًا نصحه، طالبًا للأبدية، ولكن محبة المال قست قلبه فمضى تاركًا الرب.
ما الذي قسى قلب فرعون؟ إنها حلاوة الخطية أيضًا...
في كل ضربة، كان يطلب التوبة، ويعد الله وعودًا. ثم يعود فيرجع... كيف يمكنه أن يتخلى عن أكثر من 600 ألف يعملون أعمالاً بالسخرة. لذة التمتع بهذا الربح، منعت عنه التوبة...
كالذي يكذب، ويجعل طبيبًا يكذب، ليحصل على إجازة مرضية... كلما يقول الروح له إنها خطية، تسكت ضميره، حلاوة الإجازة!
ثم تدخل هنا (العقلانية) فتحاول أن تسكت ضميره، وتبرر له الأمر، وتتهمه بالحرفية، وتعذره بأن الأمر مألوف..!
ومن أمثلة تأثير حلاوة الخطية، امرأة لوط...
وصلها إنذار الرب، وسمعت صوت الملاكين، وسمعت لوطًا يعظ أصهاره، ورأت الملاكين يدفعانها وباقي الأسرة للخروج حتى لا يقفوا في كل الدائرة. ولكن حلاوة الخطية قست قلبها: كيف أترك أموالي، وتعب السنين كلها، أحقًا احترق كل هذا؟ ليتني أنظر للوراء لأبصر... ونظرت فهلكت...
حلاوة الخطية تقسي القلب. وإن دفعه الروح للتوبة، يؤجل!
أنا مقتنع بخطئي، لا بد أن أتوب. ولكن لماذا الآن؟ من أجل حلاوة الخطية، أنتظر قليلًا، وأتوب بعدئذ.
في التأجيل قساوة قلب. الروح يدعو، فتقول ليس الآن!
لم يعد القلب حساسًا لصوت الله كما كان قبلًا. لم تعد المشاعر حارة ومستجيبة ولا مهتمة بعمل الله وبمحبته! عبارة "هذا الأمر يحزن الله"، فقدت تأثيرها على القلب القاسي.
الصحبة الشريرة
† ومن ضمن الأشياء التي تقسي القلب: الصحبة الشريرة.
لو عاشرت أناسًا حساسين نحو الله، يمتلئ قلبك حساسية. ولو عاشرت أناسًا لا يهتمون بالروحيات، فإنهم يقسون قلبك.
مثال ذلك آخاب الملك. الذي قست قلبه زوجته إيزابل...
علمته كيف يقتل الأنبياء ويضطهد الأبرار. وخذوا مثالًا، تصرفه مع نابوت اليزرعيلي. أراد آخاب أن يأخذ حقل نابوت، فرفض نابوت أن يتنازل عن ميراث آبائه، فمضى آخاب إلى بيته مكتئبًا مغمومًا (1مل21) ورأته إيزابل هكذا، فوضعت له الخطة: يقتل نابوت.. يتهمه أولًا بالتجديف على الله، ويجلب عليه شهود زور، ويحكم عليه بالموت... وتقسى قلب آخاب، فقتل نابوت.
ولد صغير، تغريه صحبة شريرة بالتدخين، فيهاب الموقف، ويخاف ويرفض ولكنهم يشجعونه، ويقسون قلبه، حتى يبدأ، ويظلون به حتى يصير التدخين له عادة، بلا خوف...
أتذكر أني قرأت مرة كتابًا عن الهيبز والبيتلز، وكيف علموا زملاءهم الإباحية، وقسوا قلوبهم فعلموهم القتل أيضًا...
كان هؤلاء يخافون، ولكنهم شجعوهم، وأمروهم باغتيالات وقسوا قلوبهم فنفذوا، وتطوروا إلى شرب الدماء...
العقلانية الشريرة
صوت الله يمنع الإنسان من الخطية، لكن الصحبة الشريرة تقول له: "افعل ولا تخف"، فيفعل بلا خوف، ويتقسى قلبه...
وإن رفض، يتهكمون عليه: "هل أنت من الدقة القديمة"! وبالإقناع وبالإغراء وبالسخرية وبالإلحاح، يتقسى قلبه، ويصير مثلهم...
ربما تكون الصحبة الشريرة أناسًا، وربما تكون كتبًا وأفكارًا...
كإذاعة متطفلة تشوش على إذاعة واصلة إليك. كلما تحاول أن تسمع، تشوش عليك الإذاعة الدخيلة، هكذا العقلانية الشريرة، التي تشبعك براهينًا وأفكارًا، تغير بها مبادئك، وتقسي قلبك...
مثل شاب صغير في بلاد الغرب، يقابله بعض الشباب، ويحدثونه عن الحرية حديثًا قد لا يقبله أولًا، ولكنهم يلحون عليه:
ما سلطان المجتمع عليك؟ ما سلطة الوالدين؟ ما سلطة الدولة؟ أنت حر، افعل ما تشاء. لا تفقد شخصيتك، لا تفقد كرامتك، لا تخضع لرأي غيرك... وهكذا يتقسى قلبه، فلا يعود يحترم أحدًا، أو يطيع أحدًا. ويظن أن هذه هي الحرية!! إنها العقلانية الشريرة، والأفكار الجديدة، التي تقسي القلب. إنها ليست تقسية مؤقتة، بل دائمة، لأنها تغيير للقيم والمبادئ.
العوائق
قد يتقسى القلب أيضًا بالعوائق، بالأعذار، كعذراء النشيد.
ناداها الرب أن تفتح له، فقالت: "قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي، فَكَيْفَ أَلْبَسُهُ؟ قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟" (نش5: 3)... هكذا تتقدم العوائق لتقسي القلب. كل عمل من أعمال الروح يقف ضده عائق أو عوائق: الصوم أمامه المرض، والسهر أمامه التعب، والصلاة أمامها عدم الرغبة، والاعتراف أمامه الخجل، والتناول أمامه عدم الاستعداد أو عدم الاستحقاق...
وقد يعتذر الإنسان، عن كل هذه الوسائط الروحية، بأن الله إله قلوب، ولا لزوم لكل هذا! وأن الله يعرف ضعف طبيعتنا، وأن الروح نشيط ولكن الجسد ضعيف!
ثلاثة أشخاص دعاهم الرب لخدمته، فاعتذر أحدهم بأنه سيدفن أباه، والآخر بأنه تزوج، والثالث بأنه اشترى خمسة أزواج بقر ويريد أن يختبرها... مجرد أعذار.
الإنسان القوي لا يهتم بالعوائق، بل ينتصر عليها...
تَعَوُّد الخطية
الإنسان في بدء الخطية يشمئز أو يخاف منها. ولكنه كلما يتعودها، يتقسى قلبه، فتسهل عليه ويشربها كالماء، لا يصحو ضميره، ولا يحتج فكره.
تَعَوُّد الوسائط الروحية
قد يعتاد الإنسان بعض الوسائط الروحية، بطريقة تفقد هيبتها وتأثيرها فالكنيسة مثلًا من كثرة تواجده فيها، يتكلم فيها ويضحك، ويتمشى ويجري وينادي غيره، وينسى أنها كنيسة. كذلك قد يفقد هيبة الهيكل بكثرة دخوله، وهيبة الأسرار بكثرة تناوله، وهيبة الاعتراف والكهنوت، بمصادقة الكهنوت! كإنسان يتعاطى دواءً بكثرة، فيفقد الدواء تأثيره عليه!
وكما يتقسى الجسم فلا يستجيب للدواء، يتقسى القلب فلا يستجيب لكل وسائط الروح. تصبح عادية بلا تأثير...
أسباب أخرى
† قد تأتي قسوة القلب، من أن القسوة طبيعة فيه.
كالأرض الصخرية التي لا تستجيب بطبيعتها لبذر أو ري...
† وقد يتقسى القلب للاستهانة بلطف الله وطول أناته.
يقول الرسول: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ.." (رو2: 4، 5).
يخطئ إنسان، ويظن أن غضب الله سيحل عليه بسبب خطيئته. وإذ لا يحدث له شيء، يفقد مخافته، ويستمرئ الخطية، ويتقسى قلبه، فيستمر! أكان الأفضل أن يعاقب؟!
إنسان يحلف على الإنجيل كذبًا، ويضعه على عينيه، ولا يصيب عينيه شيء، فيستهين بالإنجيل وبالكذب وبالحلفان، ويتقسى قلبه، ولا يعود يخاف من المقدسات!
كان يمكن أن يضربه الله، ولكنه أطال عليه أناته، فيتقسى قلبه، ويستهين بطول أناة الله..! هل العقوبة لهؤلاء أفضل؟
الفصل السادس علاج أمراض القلب
علاج أمراض القلب
1- اتِّضاع القلب
اتِّضاع الجسد، واتِّضاع القلب والروح. لغة المتِّضع تُظهِره. وألفاظه متَّضَعة مثله. يمتدح غيره، لا يتشبث برأيه. لا يتعالى ولا يغضب على أحد، ولا يُغضِب أحدًا. لا يرتفع قلبه مهما علا روحًا أو منصبًا، المتواضِع سهل في تعامُلِه، يأخذ "المتَّكأ الأخير".
ما هي وسائل الاتِّضاع وعلاماته؟
كيف تُدرِك التواضع؟ وكيف تحصل عليه؟ وهل لذلك مقاييس يُقاس بها الاتِّضاع؟ للإجابة على هذا نقول: هناك اتِّضاع الجسد واتِّضاع الروح والقلب من الداخل.
الإنسان المتَّضع يظهر الاتِّضاع في ملامح وجهه، وفي نبرات صوته وفي نظرات عينيه فهو ينظر إلى الناس في وداعة، ليست له النظرات المتعالية، ولا ينظر إلى الناس من فوق.
وصوته هادئ يتكلَّم بوداعة وليس بسلطان، ولا يحقِد على أحد، ولا يتكلَّم بشِدَّة، ولا بنبراتٍ متكبِّرة، ولا بصوتٍ عالٍ، ولا باحتقار أو استصغار لأحد إنما بلطفٍ، يتحدَّث مع كلِّ أحد. ويَظهر الاتِّضاع أيضًا في طريقةِ مشيه، فلا يمشي بخيلاء. وفي جلوسه أيضًا يجلس بأدب ولا ينتفخ في مظهره. كل مظهر المتَّضع يدل عليه. على أن الاتِّضاع ليس في المظهر فقط، إنما أيضًا في اللسان وفي الفكر وقبل كلِّ شيءٍ في القلب.
ألفاظ المتَّضع تدلُّ عليه
لغته تُظهره، وكذلك المتكبِّر. فالمتَّضع لا يمتدِح ذاته، ولا يتغنَّى بأعمالٍ قام بها، ولا يفتخِر ولا يعقِد مقارنات بينه وبين الآخرين، تدلُّ على تفوُّقه ومقدار ارتفاعه عليهم وإدراكِه ما لا يدركون.
المتَّضع يمتدِح غيرَه لا نفسَه.
في كلِّ عملٍ ناجح يقوم به، يذكُر الجانب الذي ساهم به غيره في إنجاح العمل، وأهمية ما فعله الآخرون، ممتدِحًا ما قاموا به، ناسيًا نفسه. وفوق الكل يذكر دور النعمة ويد الله في نجاح العمل، ناسبًا إلى الرب كل شيء، فلولاه ما كان نجاح.
وهكذا يختفي لكي يظهر الله ولكي يظهر غيره من الناس.
وكلُّ عمل طيب يعمله، يحاول أن يعمله في خفاء، فلا يراه أحد، مبتعدًا عن المظهريات في كلِّ شيء. وفي كلِّ هذا يُحب الخير في ذاته، لا في أجره ولا في تقدير الناس له. أما محبو المجد الباطل، فإنهم يعملون الخير من أجل مديح الناس، فيفقِد الخير طبيعته، ويفقدون هم ما للخير من أجرٍ، أو يقبلون المجد من الناس وليس من الله.
والمتَّضع لا يدافعُ كثيرًا عن نفسه.
مثل ما حدث ليوسف الصديق. لم يدافِع عن نفسه فيما نُسِب إليه من تهمةٍ باطلة، وارتضَى أن يُلقَى في السجنِ ظُلمًا. ومثلما قَبِل أن يبيعه إخوته كعبد. وفي ذلك سأل القديس موسى الأسود بعض رفقائه: "مَن الذي باع يوسف؟"، فأجابوا: "إخوته". فقال: "بل باعه اتِّضاعه، لأنه لو قال إنه أخوهم، ما أمكن بيعه، لأن كل إنسان لا يبيع إلا ما يملكه".
وكثير من القديسين لم يدافعوا عن أنفسهم، مثلما حدث مع القديس مقاريوس الكبير، ومع القديسة مارينا الراهبة.
قال القديس الأنبا أنطونيوس: "عوِّد لسانَك أن يقول في كلِّ شيءٍ، وفي كلِّ وقتٍ، ولكلِّ أحدٍ: "اغفر لي".. فيأتيك الاتضاع". وقال أيضًا: "لتكُن لك محبة التعب، واظلِم نفسك لكلِّ إنسان، فتملُك الاتضاع".
ونفس هذا الكلام تقريبًا، قاله القديس الأنبا إشعياء: كُن مستعِدًا ِإزاء كل كلمة تسمعها أن تقول: "اغفر لي". وبذلك تهزِم كلَّ قوة العدو، ويأتيك الاتِّضاع.
وقال القديس الأنبا موسى: "إذا تقَبَّل الإنسان الزجر والتوبيخ، فإن ذلك يولِّد له التواضع. أما تمجيد الناس، فيسبِّب له البذخ وتعاظُم الفِكر".
هكذا عاش آباؤنا النساك، الذين حاولوا أن يقتنوا اتِّضاع القلب بأية وسيلة ممكنة، والذين احتملوا الظلم في صبرٍ وسكوت، متمثِّلين بالسيد المسيح الذي "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 7).
والإنسان المتواضع يكون دائمًا بعيدًا عن الغضب وثورة الأعصاب.
وكما قال القديس دوروثيئوس في ذلك: "إن المتواضِع لا يغضَب من أحد ولا يُغضِب أحدًا". فهو لا يغضَب من أحد لأنه باستمرار يأتي بالملامة على نفسِه في كلِّ شيءٍ. ولا يُغضِب أحدًا لأنه يطلب بركة كل أحد ولأنه يعتقد في أعماقه أن كلَّ أحدٍ أفضل منه. ولذلك نرى أن الاتِّضاع يرتبِط دائمًا بالوداعةِ والهدوء.
حقًا أنه ليس كل هادئ متواضِعًا. ولكن كل متواضِع لا بد أن يكون هادئًا، ويكون وديعًا طيبَ القلب.
ومن صفاتِ المتضِّع الطاعة والخضوع لمن هو أكبر منه. سواء كان هذا الكبير، أكبر منه سنًا، أو أكبر منه مقامًا، أو أكبر منه في القامة الروحية، أو في العلاقة الاجتماعية. على أن المتواضِع الحقيقي يرى أن الكل أكبر منه، ولا يرى نفسه أكبر من أحدٍ في شيء، لذلك هو يعامل الكل باحترام، حتى من هم أصغر منه. حتى الخدم يعاملهم بلطف، ويرفع روحهم المعنوية بمعاملته المملوءة لباقة وأدبًا، وذوقًا ولطفًا وتقديرًا.
بل إن المتواضِع يتَّخِذ دائمًا (المتَّكأ الأخير) حسب وصية المسيح. فهو باستمرار يضع نفسه آخر الكل، يقدِّم كلَّ إنسان على نفسه، مثلما قال القديس بولس الرسول: "مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ" (رو12: 10).
وكما اِنحنَى السيد المسيح وغسَل أرجل التلاميذ، يكون هو أيضًا مستعدًا أن ينحني ويخدِم الكل مهما كان أصغر منه. وما أجمل قول الشيخ الروحاني: "في كل مكان حللت فيه كُن صغيرَ إخوتك وخديمهم".
وهكذا نرى الرعاة والكهنة والمعلمين في كنيستنا، يطلقون على أنفسهم ويطلق الناس عليهم لقب (الخُدّام).
وما أجمل الصلاة التي صلَّى بها القديس أغسطينوس من أجلِ شعبه قائلًا: "أطلب إليك يا رب من أجل سادتي عبيدك"؛ قال: (سادتي) مع إنهم أولاده ورعيته. على أننا نريد أن يكون تعبير (خادم) ليس مجرَّد لفظ أو لقب، إنما يستعمله صاحبه بكامل دلالته ومعناه.
والإنسان المتواضع سهلُ التعامُل مع غيرِه، بسيطٌ في تعامُلِه.
لا يتضايق مطلقًا إن عارَضه أحد، أو ناقَض رأيه، أو ناقَشه فيه، إنما يقبَل كلَّ ذلك بموضوعيةٍ خالصة، وبروحٍ طيِّبة، وبدونِ غضب، وبدونِ عناد، وبدونِ تشبُّث برأيه.
ولا يفترض باستمرار أنه على حق، وكل من يعارضه على باطل. ولا مانع لديه من أن يتنازل عن رأيه إن ثبت له أنه خطأ، بل وأيضًا يشكُر من وجَّهه إلى هذا الخطأ في حبٍ حقيقي.
وفي النِقاش لا يقاطِع غيره، ولا يُسكِته لكي يتكلَّم هو، ولا يحاول أن يحطّم غيره، بل قد يثبت لغيره خطأ رأيه في لطف دون أن يجرح مشاعره، أو أن يسيء إليه. فكذلك كان يفعل القديس ديديموس الضرير في مناقشاته مع الفلاسفة الوثنيين، حتى كسب كثيرين منهم إلى المسيحية، وكانوا جميعهم يحبونه.
والمتواضع إن كان في منصب رئاسي لا يرتفع قلبه.
ولا يتعامل مع غيره في تعالٍ أو في كبرياء، كأنهم أدنَى منه أو أقل. ولا يعلو على أحد، ولا يستخدم سلطانه لإخضاع غيره.
إنما هو يتعامَل مع مرؤوسيه كصديق وكزميل، ويُشعِرهم بمحبته وبتقديره. فالسيد المسيح كان يدعو تلاميذه إخوة له. وقال لهم: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو15:15). وقال عنه الكتاب: إنه شابه إخوته في كل شيء (عب17:2).
إن الله حينما يرفع إنسانًا في المركز لا يُحِب أن هذا الإنسان ترتفع روحه. أو يرتفع قلبه، فينسى أنه إنسان وأنه تراب ورماد! بل على العكس يتواضع بالأكثر لكي يقيم توازنًا بين داخله وخارجه. وذلك مهما نال من جاه أو سلطان أو مال أو مركز. أما الذي يرتفع قلبه، فإنه يذكِّرنا بالشاعر الذي قال:
لما صديقي صار من أهل الغنى | .:. | أيقنت أني قد فقدت صديقي |
كذلك المتواضع لا يرتفع قلبه مهما نما في الروح وفي الفضيلة. ومهما نال أيضًا من مواهب روحية. بل يعتقد باستمرار، أن كل الحياة الروحية التي له، هي من عمل النعمة فيه، من عمل الروح القدس معه. على غير استحقاق منه. وأنه بدون الله لا يقدِر أن يعمل شيئًا. فعليه أن يشكُر لا أن يفتخِر.
والمتواضِع يعرِف أنه إن افتخر بشيء ستتخلَّى النعمة عنه، لكي يشعر بضعفه، ويتأكَّد من أنه لا شيء. فيتَّضع أمام الله. ويذكر باستمرار قول الكتاب: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم18:16).
وهكذا يتذكَّر باستمرار أنه "تحت الآلام" مثل غيره، وأنه ليس أكبر من السقوط، وليس معصومًا منه، فإن الخطية "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
لذلك هو أيضًا أمام جميع الخطايا، لا يفقد احتراسه أبدًا، ولا يقُل هذه خطايا تحارب المبتدئين وأنا أكبر من هذا المستوى!!
بل هو باستمرار يتمسَّك بصلواتِه طالبًا معونةَ الله في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، غير معتمِد على قوَّتِه الخاصة في شيء، وعلى فهمِه لا يعتمِد كما يقول الحكيم (أم3: 5).
ولا مانع لديه أن يستشير. فالشخص الذي يستشير يشعر أن هناك عند غيره ما ينقصه، ولا يظن مطلقًا أنه غير محتاج لرأي غيره كما يفعل المتكبِّرون.
المتواضِع يستشير، ويعمَل بالمشورة الصالحة. ويثق أنه مهما أوتي من علم ومن خبرة، فهناك من هم أعلى منه في أمورٍ معيَّنة. وحتى إن لم يستشِر، وجاءه رأيٌ صائب تطوَّع به أحدهم دون طلب منه، يأخذ الفائدة التي في هذا الرأي، مهما كان صاحب الرأي أقل أو أصغر منه.
2- مبدأ اختبار القلب
نعم إن حياةَ كل إنسان هي سلسلة اختبارات: تُختبَر فيها نفسيَّته ومشاعره، ونيَّاته وأفكاره، وكل ما يفعله أو يقوله، وبناءً على هذه الاختبارات يتحدَّد مصيره وأبديته، حين يقف أمام الله الديان العادل في اليوم الأخير. وهذه الاختبارات معروفة لكلِّ إنسان وتتلخَّص في سؤالٍ واحد هو: ما هو موقفه من وصايا الله؟
والعجيب في هذه الاختبارات أن الله - تبارك اسمه - لا يترك الإنسان فيها وحده، وإنما تساعده النعمة بقدر ما يقبَل هذه النعمة ويتعاون معها، وتظلُّ هذه الاختبارات معه كل يوم، وكل العمر، وكل مراحل الحياة، وبها تقيَّم شخصيَّته ودرجته في الأبدية وعلى الأرض أيضًا.
فترة الاختبار
بعض الناس لم يعيشوا طويلًا فكانت فترة اختبارهم قصيرة، ولكنها أمام الله كانت كافية، تعبِّر عن نوعِ الشخصية وروحانيتها وجهادها، ومدى المحبة التي فيها من نحو الله والناس، على أن اختبار الإنسان ليس هو مجرَّد اختبار لفترة معيَّنة من حياتِه، وإنما للحياة كلها بصفة عامة، لأن البعض قد تمر عليه فترة ضعف لأسبابٍ معيَّنة طارئة، ولكنها لا تدل على طبيعة حياته كلها، إنما هي فترة فتور أو سقوط، استقام بعدها، ونما في النعمة. وربما تكون فترة البداية سيِّئة مثل حياة القديس أغسطينوس، وغيره ممن دخلت التوبة في حياتِهم وغيَّرت مجراها إلى العكس تمامًا.
وإلهُنا الحنون الرحيم لا يأخذ الإنسان فجأة في ساعة ضعف، وإنما يعطيه الفرصة باختبارات أخرى لتصحيح مسار حياته، والمُهم في الاختبارات ليس نوع الاختبار، إنما موقِف الإنسان منه.
فوائد الاختبار
وقد يسأل البعض: ما لزوم هذه الاختبارت ما دام الله يعرِف حقيقتنا دون أن يختبرنا؟ إلا أنه بهذا الاختبار يعرِف الإنسان ذاتَه، وإن سقط يعرف نقط الضعف التي فيه، ويعرف إتِّجاه إرادته، وإن عوقب لا يشتكي، وإنما يقول في أعماقِ نفسه: "نحن بعدلٍ جوزينا".
وبمعرفتِه لضعفِه يتَّضع ويتوب ويدقِّق في حياته وتصرفاته حتى لا يسقط مرة أخرى. كما أن اختبار أي شخص يكون درسًا لغيره أيضًا، كما أن الاختبارات أيضًا مجالٌ للمكافأة، إذا نجح الإنسان فيها، وعلى رأي أحد القديسين الذي قال: لا يكلَّل إنسان إلا إذا انتصر، ولا ينتصر إلا الذي اختُبِرت شجاعته. كذلك في السماء يأخذ الإنسان الأكاليل المُعدَّة للغالبين.
وسائل الاختبار
طرقُ الاختبار ووسائلها ومصادِرها كثيرة، فبعضها يأتي من ذات الإنسان، والبعض قد يأتي بسبب مضايقات من البشر، والبعض يأتي للأبرار من حسدِ الشياطين وحِيلهم.
إن ظروفًا كثيرة تحدُث في حياةِ كلِّ شخص وتكون اختبارًا له، والمهم ليس من أيِّ مصدر جاء الاختبار، إنما المهم هو صمود الإنسان ونجاحه. كالتلميذ الذي يواجه أسئلة معينة، ليس المهم في نوع المادة التي يختبر فيها، إنما نوع إجاباته ومدى فهمه.
مجالات الاختبار؛ نقطة الضعف
قد يُختبَر الإنسان بالذات، بنقطة ضعف فيه. هناك شخصُ أهم نقطة ضعف فيه هي الأمور الجنسية، وآخر نقطة ضعفه هي محبة المال، وثالث نقطة ضعفه هي محبة السلطة أو محبة الظهور، أو قسوة الطباع، وقد تكون حياته خالية من ضعفات أخرى، والمطلوب منه أن ينجح في نقاط الضعف التي فيه.
وقد يُختبَر الإنسان بأخذِ شيءٍ منه، مثال ذلك من يطالبه الرب بدفع جزء من ماله للفقراء، فهل يدفع أم لا؟ وهل يعتذِر بأسبابٍ قد لا تكون حقيقية؟ أو يؤجِّل؟ أم يدفع وهو متذمِّر؟ كما يختبره الرب أيضًا بتقديس يومٍ من الأسبوع له، فهل يحقِّق ذلك أم ينشغِل بأمور أخرى وينسى أن هذا هو يوم الرب؟!
وقد يُختبَر الإنسان بالأمراض أو بالضيقات، فهل يتذمَّر وينسِب ذلك إلى الله الذي سمح بالمرض أو بالضيقة؟ وتقلُّ محبَته لله، وبخاصةٍ إذا صلَّى ولم يستجِب الله لصلاتِه، أو تأخَّر عليه في الاستجابة! أما البار فلا يتغيَّر قلبه بتغيُّر الأحوال التي تطرأ عليه، إنما هو في كلِّ ضيقاته يقول: "المُرُّ الذي يختاره الرب لي خيرٌ من الشهد الذي اختاره لنفسي"، و"كل ما تسمح به يا رب أقبله بشكر".
وقد يُختبَر الإنسان بالإغراءات.
سواء كانت إغراءات جسدية أم مالية، أو خاصة بالمناصب والألقاب، أو بأية شهوة أخرى يتعرَّض لها الشخص، ونلاحظ أن الشهداء لم يحاربوا فقط بالتعذيب وإنما كثير منهم حورب بإغراءات معينة فرفضها.
وربما يُختبَر الإنسان بالنجاح والعظمة فهل يرتفع قلبه بذلك؟ وهل يتعالَى على غيره ويفقد تواضعه، أم يبقَى كما هو؟ وقد قال أحد الأدباء عن مثل هذا الشخص أنه: يكبر دون أن يتكبَّر، ويحتفظ بثباتِه في وثَبَاتَه.
ومثل هذا الاختبار يحدُث للذين يُنعِم الله عليهم بمواهب معيَّنة، كالذكاء مثلًا، أو الجمال أو النبوغ في الفن، أو بأيةِ مواهب فائقة للطبيعة، فكيف يستخدم هؤلاء مواهبهم؟ وهل ترتفع قلوبهم بها؟
أحيانًا يكون العتاب اختبارًا لقوة الاحتمال، إذا كان الذي يعاتب شديد اللهجة يُظهِر لك أخطاءك من نحوه، ومن نحو غيره، فهل أنت تقبل العتاب بصدر رحب وروح طيبة، وتكسب من يعاتبك وتكسب فضيلة الاحتمال؟ أم أنت تثور وتضِج وتعتبر إظهار أخطائك إهانة لك؟ ونفس الوضع مع الذي يكلمك بصراحة وبغير مجاملة فتستاء منه وقد تخسره!
إن كلَّ كلمة قاسية تُوجَّه إليك وكلَّ معاملة سيئة تُعامَل بها، كلها اختبار لشخصيتك ولموقِفك منها، وهنا تختلف ردود الفعل عند كثيرين حسب نوع طباعِهم وشخصياتِهم وروحياتِهم ونوع تعاملِهم مع الناس.
وأنت أيها القارئ العزيز قد تقول أنك تُحبُّ الناس جميعًا، وأنك مستعدٌ أن تبذل ذاتك عن بعض من أصدقائِك ومحبيك، ثم تصطدم بتصرُّف واحد منهم لم تكن تنتظره، إنه تصرف سيئ ولكنه اختبار لمحبتك التي تتحدث عنها: هل هي محبة تستطيع أن تغفر؟ أم هي من النوع الذي لا يحتمل ويتحوَّل بسرعة ويتغيَّر؟!
حقًا إن المحبة ليست بالكلام إنما تقع تحت الاختبار. لا تتضايق يا أخي من الاختبارات، وإنما حاول أن تكون ناجحًا فيها وصلبًا وقويًا.
3- طول الأناة
طول الأناة، كلمة أناة مشتقَّة من التأنِّي. كيف أن الله طويل البال، يقول طول البال أو طول الروح، أو طول الأناة، كلهم بمعنى واحد. كثيرًا ما أطال الله أناتَه على أناسٍ خطاة وأعطاهم فرصة لكي يتوبوا، يقول الكتاب: "..عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ" (رو2: 4).
لكن لا تظن عندما يطيل الله أناته عليك، برحمتِه التي ليس لها حدود، أن عدلَه ليس له وجود، يطيلُ أناتَه، فإن لم يأتِ بنتيجة، يعاقب، وربما تكون عقوبته شديدة جدًا، هذا معناه أن طول أناة الله إما تقود إلى التوبة، أو تقود إلى الدينونة، لأن عطف الله وحنانه، لا يمنع عدله، أطال أناته على خُطاة كثيرين، وقادهم إلى التوبة، أطال أناته على القديس أغسطينوس، في كلِّ ما أخطأ به، عمليًا وفكريًا، وقاده أخيرًا إلى التوبة.
أطال أناته على شاول الطرسوسي الذي كان يضطَّهِد المسيحية بعنف، وهو قال عن نفسه: "أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا، وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ" (1تي13:1)، لولا طول أناة الله على شاول الطرسوسي ما كنا قد عثرنا على رسولٍ عظيم جدًا هو بولس الرسول الذي تعب أكثر من جميع الرُسل.
طول أناة الله على الأمم الذين كانوا لا يعبدون الله، حتى آمنوا، وطول أناته على المُلحدين، وطول أناته على الشيوعيين، الذين ظلُّوا ينكِرون وجودَ الله سبعون عامًا، وأخيرًا رجعوا إلى الإيمان. لقد أطال الله أناتَه على كثيرين، وأعطانا بذلك مثالًا كي نطيل أناتنا.
ما معنى أن نطيل أناتنا؟!
يوجد أشخاص طباعهم مُتعِبة ونحن عندما نصطدِم مع أحدِهم، ممكن أن نقع في الغضب ونكون قد سقطنا، لكن تغيير الطباع يحتاج إلى وقت وتدريب، لا تعتقد أنك قد تُغيِّر طبعَ أي شخص بسهولة، يجب أن تطيل أناتك عليه حتى يستطيع أن يغيِّر طبعه، كما أن تغيير الأوضاع يحتاج إلى وقت.
يوجد ممن ينادون بالإصلاح في أي إتجاه، من يَسقطون في الغضب والانفعال والشتيمة ويقومون بسبِّ الآخرين والتركيز على ما يظنون أنه من أخطائِهم، معتقدين أن ما يريدونه يمكن تنفيذه في لحظةٍ، غير عالمين أن الإصلاح يحتاج إلى وقت، يجب أن يضع الإنسان في ذهنِه العامل الزمني.
وقد أعطانا الله أمثلة كثيرة، الدجاجة ترقد على البيض مدة معيَّنة حتى يسخَن وينمو ويخرُج الكتكوت من البيضة، لا يمكن أن يخرُج قبل الوقت، يحتاج إلى مدة معينة، هل تستطيع الدجاجة أن تقول: أخرُج يا كتكوت، كيف يخرُج؟ لا بد من مدة معيَّنة، حتى يكتمِل النمو.. كما قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "الجنين في البطن يأخذ مدته حتى ينمو ويأتي الوقت الذي يخرُج فيه من بطنِ أمِّه، ينمو قليلًا قليلًا قليلًا حتى يأتي وقته، كذلك الروح أيضًا تنمو قليلًا قليلًا حتى تصل إلى الكمال المطلوب".
أيُّ شجرة لا تستطيع أن تأخُذ منها ثمر إلا بعد مدة معيَّنة، يوجد نوع من الشجر يأخذ سنوات قليلة، ونوع آخر يأخذ سنوات كثيرة حتى يُعطي ثمرًا، لذلك يقول الكتاب: "تُعطي ثمرَها في حينه"، هل هذا يغضِبك؟! أنت تقول لا يوجد عندي وقت للانتظار، طبائعُ الأمور تتطلَّب منك الانتظار.
أيضًا اكتساب فضيلة من الفضائل. أحيانًا أكون في تنفيذ تدريب، وأجد نفسي تارة أسلك حسنًا، وتارة أسقط، حتى أصل إلى الفضيلة. لماذا تنزعج وتفكِّر أنه لا فائدة، وتستصعِب الطريق، أطِل أناتك، حتى يُصلِح الله كلَّ الأمور. الحياة لا تسير هكذا.
كما أن اكتِساب الفضيلة يحتاج إلى وقت حتى يكتسِبها الإنسان بعد تدريبٍ طويل، وبعد سقوطٍ وقيام.
كذلك التخلص من خطية يحتاج إلى وقت، وخصوصًا إذا كانت الخطية قد تحوَّلت إلى عادة أو أصبحت طبعًا، تحتاج إلى وقت، لكن لا تعتمِد على هذا الاحتمال، وتقول: "اتركني يا رب أخطئ وبعد ذلك أتوب في الوقت المناسب"، ما دام بإمكانك يجب أن تعمل كل ما يمكنك، لأنك لا تعلَم وقت النهاية. لا تنتظر بإرادتك في الخطية. لذلك يعطي السيد المسيح في الدعوة إلى الفضائل هذا التدريج، الكتاب المقدس يقول: "سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ.." (1كو2:3) مثل الأطفال.
4- هدوء القلب وهدوء الفكر
لا يكفي أن يكون الإنسان هادئًا من الخارج، في كلامِه وفي أعصابِه، إنما يجب أن يكون هادئًا في الداخل أيضًا. تكون نفسه هادئة.
وهدوء النفس من الداخل، هو الذي ينبع منه الهدوء الخارجي. إن النفس التي تغلي من الداخل، حيثما حلَّت يحلُّ الغليان والتوتُّر. تعيش كشعلة: حيثما أُلقِيَت، أَحرَقَت وانتشرت نارها هنا وهناك. لدرجة أن أمثال هؤلاء الناس إذا دخلوا مكانًا، يتهامَس البعض قائلين: "يا رب استر".
ولكن الإنسان الهادئ من الداخل، نرى هدوءه الداخلي يفيض هدوءًا في الخارج.
نجد صوته هادئًا، ومشيته هادئة، ومعاملاته هادئة، ومناقشاته هادئة ومريحة. وفي هدوئه لا يصيح ولا يتشاجر، بل تكون علاقته طيبة مع جميع الناس. إذ لا يلجأ إلى المشادة أو إلى العنف مع أحد. هذا من الخارج. أما من الداخل، فيتمتع بهدوء الفكر وهدوء القلب.
الإنسان غير الهادئ من الداخل، تكون في داخله أفكار كثيرة: تموج وتطيش، وتذهب وتجيء، ولا تثبُت على حال. ففكر يجذبه إلى هنا، وفكر يشده إلى هناك. وذهنه دائم التغيُّر. والأفكار تؤثِّر على نفسه لأنها غير مستقرَّة.
وغير الهادئ يقاسي أيضًا من عدم الهدوء في مشاعره.
انفعالاته وأحاسيسه غير هادئة. رغباته وآماله طائشة غير مستقرة. يجذبها الخيال أحيانًا إلى آفاقٍ عالية لا يستطيع الوصول إليها، ويحطُّه الفكر العملي إلى واقعه البعيد عن آماله. ويظل يضطرب بين الرغبةِ والواقع. فتضطَّرِبُ معه انفعالاته. وقد يقع في اضطرابات نفسية عديدة، نذكر من بينها القلق.
والشخص الذي يعيش في قلق، هو فاقد لهدوئه.
فالقلق يدلُّ على عدمِ هدوءِ النفس. والقلق يدفع إلى الخوف. والإنسان المصاب بالقلق، أفكاره غير هادئة وغير مستقرَّة.
والقلق قد يدعو إلى الشك. والشك يُفقِد النفس هدوئها.
والإنسان الشكاك لا يكون هادئًا مطلقًا من الداخل. ويُسائِل نفسَه باستمرار: هل هو على حقٍ في شكوكِه؟ وهل يجوز أن تكون شكوكه غير حقيقية؟ وكيف يمكنه أن يتحقَّق من هذه الشكوك ويثبتها؟
فهو يشُك. ثم يشُك في شكِّه! وتبقى أفكاره غير هادئة. وقد تعذِّبه نفسيًا وتُتعِبه. وهذا التعب يزيد من عدم هدوئه. كما أن الشك قد يُتعِب الشخص في علاقاته مع الآخرين.
والشكُّ له أنواع، وكلُّها تُفقِد الهدوء.
سواء كان شكًا في وقائعٍ أو في أشخاص. أو شكًا في علاقات. أو كان شكًا في عقيدةٍ، أو في الله نفسه! وربما يكون الشك في مستقبله، وما ينتظره فيه.
وفي كل ذلك الشك يكون العقل مضطَّرِبًا، وتكون النفسُ أيضًا مضطَّرِبة.
على أية الحالات، هدوء القلب يجلب هدوء الأفكار.
إذا كان القلب مستريحًا وهادئًا، تُصبِح أفكار صاحب هذا القلب مستريحة أيضًا وهادئة. وإذا اضطَّربَت أفكارَه يضطَّرِب. وهكذا حسبما يكون القلب، تكون الأفكار أيضًا. إن كانت في القلب عواصف وبراكين، تجد الأفكار كأنها في سوق يبيعون فيه ويشترون! وبالعكس إذا كان القلب هادئًا، تهدأ معه الأفكار. على أن هناك أشخاصًا نفسياتهم ضعيفة، يضطَّربون لأتفهِ الأسباب. وربما لمجرَّد الوهم، بغير سببٍ حقيقي.
وفي اضطرابِهم يفقدُ القلبُ هدوءَه، ويفقدُ الفكرُ هدوءَه. وينعدِم الهدوء الداخلي ويظهر عدم الهدوء في تصرفاتِهم أيضًا.
ومن مظاهرِ عدم هدوء الفكر، حالة الفكرِ الطائِش الجوَّال.
فالفكر الهادئ مُركَّز، مستقِّر في موضوع تفكيره، وله عمقٌ في التفكير. أما الفكر غير الهادئ، فإنه يجول من موضوعٍ إلى موضوع. ويطيش في أمور متعدِّدة. كمن تطيش أفكاره حتى أثناء الصلاة! وكما قال واحد من الآباء: "إذا كانت النار طعامها الوقود، فإن الفكر طعامه القصص".
الفكر الطائش غير الهادئ يهوَى القِصص والأخبار والرغبات وينتقِل من خبرٍ إلى خبر، ومن قصةٍ إلى قصة، ومن سيرةِ شخصٍ إلى سيرة آخر. بل ينتقِل هذا الفكر من بلدٍ إلى بلد، دون أن يهدأ. إنه يذكِّرنا بالشيطان الذي من عمله الجَوَلان في الأرض والتمشِّي فيها.
ومن مظاهر عدم هدوء الفكر، حالة الفكر النَقَّاد.
الفِكر الذي لا يعجبه أحد، ولا يعجبه شيء! له نظرة قاتِمة سوداء. فهو باستمرار ثائرٌ على الأوضاع، يرَى أن الحقَ قد ضاع! فيحتد على كلِّ ما يُعرَض أمامه، حتى إن كان لا دخلَ له فيه، وحتى إن كان لم يدرِس الموضوع ولم يفهمه! ولكنه مع ذلك ساخط على كلِّ شيء، متذمِّر من كلِّ شيء، منتقِد لكلِّ شيء، فاقِد لهدوئه.
والفكر الفاقد لهدوئه، يعمل على إشاعة عدم الهدوء في نفوسِ الآخرين.
ينشر أفكاره القلقة غير الهادئة. يصبَّها في آذان الآخرين وفي أذهانِهم. ويتحمَّس لها، ويعمل على إقناع الناس بها وقد يفلح في ذلك أو لا يفلح. وحتى إذا لم ينجح في نشرِ أفكاره غير الهادئة، فإنه يُفقِد السامعين هدوءهم بسبب مناقشاتِه.
ومن الأفكار غير الهادئة، الفكر اللحوح.
الفِكر الذي يُلِّح على ذهنِ صاحبِه إلحاحًا، ويضغط عليه بطريقةٍ متعِبة. بينما يحاول الشخص أن يتخلَّص منه فلا يستطيع. وبإلحاح هذا الفكر عليه، يفقد هدوءه. وبخاصة ذلك الفكر الذي ينام به الإنسان ويصحو، وهو مستمِر. يُلِح عليه حتى أثناء عمله، وأثناء صلاته، وأثناء راحته، بلا هوادة، وبلا انقطاع. مثل هذه الأفكار غالبًا ما تكون حربًا من الشيطان.
لأن الأفكار الروحية هادئة باستمرار. أما الشيطان فإنه يضغط بأفكاره بلا رحمة، ويدفع الشخص إلى سرعةِ التنفيذ. وهو بإلحاحِه يضغط على الأعصاب ويُتعِبها، لكي تَحسِب أن التنفيذ هو أسهل وسيلة لراحتها. إن الفكرَ اللحوح فكرٌ مشاغِب، لا يشاء أن يترك للإنسان فرصة للمشورة، ولا فرصة لفحصِ الفكرِ ومناقشته، كما لو كان يريد أن يُرغِم الشخص عليه إرغامًا.
ومن أنواع الأفكار غير الهادئة: الفكر المتقلِّب.
الذي يعرِض الشيء وينقلب إلى عكسِه. وتارةً يوافِق على الأمر، وتارةً يعارِضه. يتحمَّس للموضوع حينًا، ويفتُر حماسه بعد حين. هو كأمواج البحر تمتد وترجع في غير ثبات. إنه فكرٌ متقلِّب، أو هو فكرٌ متردِّد، يسبِّب لصاحبه الحيرة وعدم الهدوء وعدم الاستقرار. يقول الكتاب: "رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ" (يع1: 8).
أما الفكرُ الهادئ، فهو يشبِه السفينة التي تشُق طريقها في هدوء في مسارٍ واحد، لا تضطَّرِب فيه ولا تنحرِف يُمنةً ولا يُسرة.
الأفكار غير الهادئة تفقد القلب هدوءه. وكذلك القلب غير الهادئ يكون مصدرًا لأفكارٍ مضطَّرِبة. كلُّ من القلبِ والفِكر يكون للآخر سببًا أو نتيجة.
فالقلب بكل ما فيه من مشاعر وأحاسيس وانفعالات. كالحزن والغيظ والحِقد، والشهوة، والاضطراب، والرغبة في الانتقام، والرغبة في السيطرة أو التملُّك. القلب الذي فيه شيءٌ من هذه المشاعر وما يماثلها، لا يمكن أن يكون هادئًا. وكذلك أفكاره. ومما يُفقِد القلب هدوءه بالأكثر، الرغبات التي تتطلَّب سرعة تحقيقها، بينما هذه السرعة لا تكون متوافرة في الواقع العملي. فيفقد القلب هدوءه.
القلبُ الهادئ، يرَى كل شيء هادئًا، فلا يضطِّرب بشيء. أما القلب غير الهادئ، فيرى في كلِّ شيءٍ سببًا للاضطِّراب.
لذلك يضطَّرب، ويثير الاضطِّراب حيثما حل! القلب الهادئ لا تزعِجه المشاكل الخارجية، وإنما يتقبَّلها في هدوء ويتناولها بعقل، ويحلِّلها ويفحصها، ويحلَّها في هدوء. ولا يسمح للاضطِّراب الخارجي أن يدخل إلى داخل نفسه لكي يعكِّر صفوها! إنه لا يترك المشكلة تنتصر عليه، بل ينتصر هو عليها.
يقول لنفسه: لا أريد أن تزعجني هذه المشكلة، ولا أريدها أن تدفعني إلى الغضب أو النرفزة أو الحزن. ولا أن تُفقدني سلامي. أريد أن تبقَى هذه المشكلة خارجي، ولا تدخُل إلى داخل نفسي.
القلبُ الهادئ بحرٌ عميق، قد تطفو المعكِّرات على سطحه، فلا تُزعِج هدوئه. وإن هبطَت إلى أعماقِه تذوبُ وتتلاشَى.
أما إن انزعج الإنسان من الداخل وفقد هدوءه، فإنه يعجَز عن حلِّ مشكلاته، فتُزعِجه، ويظهر عدم الهدوء في تصرفاتِه، وفي التعامُل مع الناس والأحداث. والقلب الهادئ يصلُح للعمل الروحي، أما إذا فقَد القلب هدوءه، فإنه لا يقدِر على التأمُّل.
وإذا حاول الصلاة تسرَح أفكارُه، وإن قرأ كتابًا يسرح أثناء القراءة. لذلك كان محبو التأمل، يبحثون عن الهدوء والسكون. لأنه في الجو الهادئ والمكان الهادئ، يمكِنهم أن يمارسوا عملهم الروحي.
القلب الهادئ يبسِط هدوءَه على الإنسان كله: هدوء القلب يسبِّب هدوء الفكر وهدوء الأعصاب، وهدوء الملامِح.
ونودُّ أن نتحدَّث عن هذه النقطة الأخيرة: قليل من الناس يستطيعون أن يتحكَّموا في ملامحهم.
فغالبًا ما تكون الملامح كاشِفة لحالة القلب. سواءً أراد الإنسان ذلك أو لم يرد. إن اضطرب قلبه، يظهر الاضطراب في ملامحه. إن اغتاظ، إن تضايق، إن اشمئز، إن خاف. يظهر كل ذلك في ملامِح وجهه، أو في نظراتِ عينيه. حتى إن سرَح في أحلامِ اليقظة، تكشِفه ملامحُه.
ملامحُه هي اعترافات غير إرادية، تكشفُ ما في داخل القلب والفكر.
فقد يضطَّرب وينكِر اضطِّرابه، ولكن ملامحه تُعلِن أنه غير صادق في إنكاره. وحين يفقد الإنسان هدوءه القلبي إن سألوه عن السبب ينكر. ولكن نبرات صوته، وحركات يديه، ونظرات عينيه، وربما حركة شفتيه، وخلَجات وجنتيه. كل ذلك ينطِق بما في داخِله بما لا يسمح بمجالٍ للشك.
لا تظنّوا أن للقلبِ خزائن مغلَقة تكتِم أسراره! فكثيرًا ما يكون مكشوفًا ومفتوحًا بواسطة الملامح. وغالبًا ما تكون عيْن الشخص مرآة ترى فيها مشاعره الداخلية، وربما تقرأ فيها أفكاره أيضًا. أيُّ إنسان لمّاح يستطيع ذلك.
لهذا بعض الناس يلبسون نظارات سوداء، حتى لا يتمكَّن مجالسوهم من رؤية انطباعاتَهم، وردودَ فعلهم، ومشاعرهم الواضحة في عيونهم.
القلبُ الهادئ، ملامحُه هادئة ومريحة.
تُحِب أن تجلس إليه وتتأمَّل ملامِحه: تتأمَّل الهدوء العجيب الذي يفيض من القلب ويكسو الملامح. لذلك لم يكن عجيبًا أن أحد تلاميذ القديس أنطونيوس الكبير قال له: "يكفيني مجرَّد النظر إلى وجهك يا أبي". ففي وجهه كان يرى السلام الداخلي الذي يملأ قلبه. وكان يرى كل ما في القلب من طهارة وبِر.
أما القلبُ غير الهادئ، فملامح وجه صاخبة غير مريحة. لذلك إن لم يكن لكم هدوء القلب. فحاولوا أن تتحكَّموا في ملامِحكم لتكون هادئة ومريحة.
تاريخ نشر المقالات
تاريخ نشر المقالات
مقالات من مجلة الكرازة
+ يا ابني أعطني قلبك (7/ 9/ 2007).
+ لا تقسوا قلوبكم (5/8/1977).
+ أسباب قساوة القلب (12/8/1977).
مقالات من جريدة وطني
+ الكبرياء (27/3/1988).
+ وسائل الاتضاع وعلاماته (15/3/1981).
+ المسيح منفتح القلب (19/ 11/ 1972).
مقالات من جريدة الجمهورية
+ أهمية القلب (5/8/2003).
+ القلب وعمله الروحي (12/8/2003).
+ القلب الكبير (9/12/2003).
+ القلب العطوف الشفوق (16/12/2003).
مقالات من جريدة الأهرام
+ القلب أهميته وعمله (10/9/2006) – (17/9/2006).
+ القلب الكبير (26/8/2007).
+ القلب العطوف (16/12/2007) (2/9/2007).
+ قساوة القلب (30/11/2008).
+ حياتنا سلسلة اختبارات (3/8/2008).
جرائد أخرى
+ مجلة مدارس الأحد: جاء المسيح يهتم بالقلب (فبراير 1997).
+ جريدة المشاهير: نقاوة القلب (10/9/2007).
+ جريدة أخبار اليوم: الكبرياء والتواضع (11/2/2006) و(18/2/2006).



