أشهر الوعاظ

لكي لا ينسى التاريخ وأسماء سجلها، أود أن أنشر ما سجله التاريخ عن:
أشهر الوعاظ1
في النصف الأول من القرن العشرين
كانت أعمدة الوعظ والتعليم في بداية هذا القرن هي بلا شك:
القمص فيلوثاؤس إبراهيم، والأرشيدياكون حبيب جرجس، والقس منسي يوحنا، والأستاذ سمعان سيليدس، والأرشيدياكون إسكندر حنا.
وأود أن أعرض في هذا المقال لثلاثة منهم. وبديهي أن أبدأ بالقمة، أي:
١- القمص فيلوثاؤس إبراهيم:
ولد في سنة ١٨٣٧، وتنيح في سن 1904م.
عن ٦٧ عامًا من العمر، قضى منها أربعين عامًا واعظًا ومعلمًا، بل كان أعظم معلم للدين في جيله، وأشهر واعظ. وكان موضع محبة وتقدير الجميع، في مصر وخارجها أيضًا. عاش في عصر لم يكن فيه وعظ، سوى العظات المكتوبة التي كانت تُقرأ في المناسبات على الناس.
حتى أنه عندما وقف على منبر الكنيسة ليعظ، قام ضده خصومه – كما لو كان مبتدعًا، وشكوه إلى مطرانه…!
وفي نفس الوقت كانت الإرساليات الأجنبية تتسع وتنتشر في أنحاء القطر المصري. فوقع العبء كله على هذا النابغة من الناحيتين الروحية والعقائدية. ولد في طنطا، وتربى على يد معلم الكُتّاب. فتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ودرس اللغة القبطية والألحان. وتدرب على الخدمة الشماسية. ثم أكمل تعليمه في مدرسة البابا كيرلس الرابع، حيث درس اللغة القبطية على يد أستاذها الكبير المعلم عريان مفتاح. ونبغ فيها حتى قام بتدريسها فيما بعد في مدرسة حارة السقايين القبطية وفي مدرسة الأقباط الكبرى، ووضع لها الكتب. وتعلم اللغة الإيطالية أيضًا. وظهرت فصاحته وبراعته في آداب اللغة العربية. وانكب على مكتبة البطريركية يدرس كتبها ومخطوطاتها في اللاهوت والعقيدة والتفسير.
ولما ظهر نبوغه، استدعاه نيافة الأنبا يؤانس مطران المنوفية وطنطا، بحجة أن لديه كتابًا يريد تصحيحه. ولما جاء إليه، وفيما هو منشغل بذلك الكتاب، وضع عليه يد القسيسيه واحتفل بسيامته في يونيو سنة ١٨٦٢م. وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ثم رقي إلى الإيغومانسية سنة1865م.
ونبغ الإيغومانوس فيلوثاؤس ولم تقتصر شهرته على طنطا وحدها، إذ كانت تدعوه كثير من الإيبارشيات للوعظ، حتى وصل إلى القدس وإلى السودان، وإلى بلاد السريان، ووصلت شهرته أيضًا إلى أثيوبيا.
في سنة ١٨٦٦ ذهب إلى القدس:
واحتفل به مطرانها الأنبا باسيليوس احتفالًا كبيرًا يندر أن يصدر من مطران لقسيس… ألقى في القدس مجموعة من العظات في الدفاع عن عقيدة الكنيسة قوبلت بنجاح كبير. كما أكرمه غبطة البطريرك الأنطاكي. وأقام قداسًا حسب الطقس القبطي في كنيسة السريان الأرثوذكس في دمشق.
وفي سنة ١٨٦٧ اصطحبه قداسة البابا ديمتريوس الثاني معه إلى الصعيد:
حيث قام بالوعظ في اجتماعات دينية حافلة. وكان يُقابَل بترحاب عظيم. حتى أنه في إحدى المرات استمر يتكلم ثلاث ساعات متوالية مبرهنًا على صحة العقيدة الأرثوذكسية، وكان الناس يزدحمون لسماع كلمة الله على فمه. وفي سنة ١٨٨٣ دُعي إلى أسيوط، فقضى ٤٥ يومًا في الوعظ، في احتفالات ليلية ونهارية.
ومن الزحام الشديد، ما كان الناس يجدون مكانًا يجلسون فيه، فكانوا يجلسون على النوافذ أيضًا. وما كان أحد يمل سماعه مهما أطال في حديثه. وحدث هكذا أيضًا حينما سافر إلى أسوان.
في سنة ١٨٧٠ تولى نظارة المدارس القبطية وكان يأتي إليها من طنطا، ويهتم بها ونشر بها تعليم الدين المسيحي. ووضع كتبًا في ذلك أهمها “نور المبتدئين في تعليم الدين”. ولكنه لم يستطع الاستمرار، فاستقال بعد سنتين.
وبعد سيامة البابا كيرلس الخامس، استقر الرأي على نقله إلى القاهرة من أجل الصالح العام للكنيسة، وأيضًا لكي يهتم بالتعليم الديني…
فصدر القرار البابوي سنة ١٨٧٥ باختياره رئيسًا للكاتدرائية المرقسية الكبرى، ومديرًا لمدرسة إكليريكية تُنشأ في البطريركية. فتولى عمله فيها. ولكن تلك المدرسة الإكليريكية لم تستمر طويلًا، لأن غالبية طلبتها كانوا من الرهبان الذين ما لبثوا أن رجعوا إلى أديرتهم.
ولما أُعيد افتتاح الإكليريكية سنة ١٨٩٣، لم يجدوا غيره لتدريس الدين فيها:
فقام بذلك لمدة قصيرة، ولم تساعده صحته. فبينما كان يلقي دروسه، وقع مغشيًا عليه، وحملوه إلى منزله. وبَقي طريح الفراش. وكان يتردد عليه طالبو علمه، كالشماس حبيب جرجس، يسترشدون به في علوم الدين.
فهو لم يكن واعظًا فحسب، إنما كان أستاذًا في اللاهوت أيضًا:
ومن الملاحظ أن كثيرًا من عظاته كانت تعليمية، في اللاهوت والعقيدة. ومع ذلك كانت ناجحة جدًا، لأن الشعب كان متعطشًا للتعليم، مشتاقًا أن يسمع.
وقد وضع القمص فيلوثاؤس كتبًا هامة في العلوم الدينية، من أهمها:
١- “نفح العبيد في الرد على البشير“. وهو كتاب في الدفاع عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في طبيعة المسيح. كما وضع مقالًا في نفس هذا الموضوع، نشره جراسيموس مسرة.
٢- كتاب “الأرثوذكسية ضد اللهجة الرومانية”. رد فيه على موضوع الرئاسة.
٣- كتاب “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية”.
٤- كتب أخرى في الميلاد والقيامة، ولاهوت المسيح، ووحدانية الله، وشرح النبوات. ونبذة مشهورة عن حكمة الشريعة في ترجمة صلوات البيعة. كما وضع كتابًا في الوعظ وأهميته.
وكان نيح الله نفسه موضع ثقة كبيرة في المعرفة الدينية، ونال احترام الجميع.
وكان أيضًا موضع تقدير غير المسيحيين والطوائف المسيحية الأخرى.
وقيل عنه أنه “بطل العلم” وابنه “إمام الخطباء، وزعيم لاهوتيي الكنيسة” لأنه “بلبل الكنيسة القبطية” و “قطب الإكليروس الأرثوذكسي ونبراسه المنيّر” وأنه “خطيب الأمة وزاجرها وواعظها ولسانها”.
وكان ينوب عن غبطة البطريرك في مقابلة الحكام.
وكانوا يحبونه ويكرمونه، لفصاحته وحسن أسلوبه وسعة اطلاعه. وقد حصل على نياشين من الخديوي توفيق، ومن الخديوي عباس حلمي الثاني.
وكان له تأثير كبير في الهيئة الاجتماعية. وقد حل الكثير من المشاكل، لمعرفته الواسعة بالشرائع والقوانين. وعمل أعمالًا كبرى في الحركة الإصلاحية.
وكان أباطرة الحبشة يكرمونه إكرامًا عظيمًا:
كتب إليه النجاشي يوحنا سنة ١٨٨٢م رسالة كلها تبجيل استهلها بقوله “إلى الأب المعظم، مستقيم الرأي والضمير، كنز الحكمة، الواسع العقل والطويل الروح، الراعي والحافظ للأمانة الإسكندرية” وطلب في تلك الرسالة صلواته.
كما وصله خطاب آخر سنة ١٨٩٩م من النجاشي منليك، يطلب كتبه لترجمتها إلى اللغة الأثيوبية، كما يهديه نيشان النجمة.
ومن أروع الخطابات التي وصلت إليه، رسالة كتبها إليه القديس الأنبا إبرام أسقف الفيوم:
استهل الرسالة بعبارة “إلى قدس الأخ الحبيب الموقر، خادم الله بالتقوى، عزيزي الايغومانوس فيلوثاؤس…”
وقد هنأه في تلك الرسالة بالشفاء. وقال له: الكل معنا رافع أكف الضراعة بطول بقائكم مصباحًا نيرًا في كنيسة الله التي اقتناها بدمه”. وختم الرسالة بقوله “وليعلم ضمير طهارتكم … أنكم على الدوام صورة نيرة أمام أعيننا، نذكركم بكل انشراح، ونُسرُّ بذكركم المحبوب”.
كذلك كتب عنه القمص عبد المسيح المسعودي رسالة كلها تقدير ومديح.
كان غيورًا على عقيدته، قويًا جدًا في حجته، فصيحًا في أسلوبه، واسعًا في علمه.
تنيَّح سنة ١٩٠٤ وترك مكتبة ضخمة:
كانت زاخرة بالكتب. وصار إرثها موضع خلاف وقد آلت أخيرًا إلى زوج ابنته الأستاذ جرجس فيلوثاؤس عوض الكاتب المعروف.
٢- القس منسي يوحنا:
وُلِد سنة ١٨٩٩ وتنيَّح في ١٦ مايو ١٩٣٠:
لم يكن فقط أشهر وعاظ الصعيد في عصره، إنما انتفعت به الكرازة كلها. فالذي لم يسمعه واعظًا، انتفع بكتبه العديدة التي لا تزال تُطبعُ.
إنه حدث صغير السن يتيم الأب، من هور مركز ملوي، تقدم للكلية الإكليريكية وهو في السادسة عشر من عمره، فتردد مديرها أولًا في قبوله. ولكنه ما أن التحق بها حتى ظهر نبوغه.
كان كثير القراءة إلى حد بعيد. واستطاع أن يستوعب مئات الكتب، وهو بعد في حداثة سنه.
حصل على دبلوم الإكليريكية سنة ١٩٢٠ وعاش بعدها عشر سنوات فقط نصفها في الكهنوت. وتنيَّح وهو شاب في الحادية والثلاثين من عمره.
عمر قصير، ولكنه دسم جدًا ومثمر.
عُيِّن واعظًا في كنيسة ملوي، واستمر يعمل بها طول حياته. واعتذر عن كل العروض الأخرى المغرية.
وفي يناير ١٩٢٥م سيم قسًا لملوي.
وكان يوم فرح لأهل المدينة كلهم على اختلاف مذاهبهم. وكان القس منسي محبوبًا جدًا من المسلمين. حتى أنهم كانوا يتهافتون على حمل نعشه يوم وفاته. وقد اشترك في الحركة الوطنية، وكان خطيب ملوي المفوّه.
ولم يقتصر نشاطه على الوعظ، وإنما اشتغل بالكتابة أيضًا، وأصدر مجلة الفردوس وعكف على تحريرها وإدارتها.
وأصدر عديدًا من الكتب أهمها:
طريق السماء، يسوع المصلوب، قارورة طيب كثيرة الثمن، ومن كتبه اللاهوتية: كمال البرهان لأثناسيوس وشمس البر، والدليل الصحيح على تأثير دين المسيح ومن مؤلفاته عن الكتاب المقدس: حياة آدم، وحل مشاكل الكتاب، والنور الباهر في الدليل إلى الكتاب الطاهر أما عن كتبه في التاريخ فأشهرها: تاريخ الكنيسة القبطية “كتبه وهو شماس” وتاريخ انتصار المسيحية وتاريخ يوحنا ذهبي الفم.
ولم يتمكن من نشرها جميعًا أثناء حياته:
فكتب خطابًا قبل وفاته بدقائق يكلف فيه صديقه القمص إبراهيم لوقا بنشر تلك المؤلفات، وتخصيص دخلها لأحد المشروعات الخيرية. وقد قامت مكتبة المحبة مشكورة بنشر تلك الكتب.
وأخيرًا عرف القس منسي يوم نياحته:
فقال لمن حوله يوم ١٦ مايو سنة ١٩٣٠ “سأموت هذه الليلة. فأرجو أن تصلوا عليّ في ملوي، وتدفنوني في هور”، ورقد في تلك الليلة، نفعنا الله بصلواته.
٣- الأرشيدياكون إسكندر حنا:
الذي تنيَّح في ٣٠ ديسمبر ١٩٤٤.
لقد عاشرناه وسمعناه. وكان أشهر واعظ في أيامه، وَذَا تأثير كبير جدًا على سامعيه. كانت عظته تستغرق حوالي الساعتين. فلا هو يتعب، ولا الناس يملون. وكان وعظه روحيًا يقتاد الناس إلى التوبة. وكان يتكلم بأسلوب عامي، ويكثر من القصص والأمثال.
كان موظفًا بمصلحة الفنارات.
فوعظ في الإسكندرية، وفي السويس وبورسعيد ثم جال كارزًا وواعظًا في كثير من بلاد الوجه البحري والصعيد. واستقر وقتًا في أسيوط. وكنا نسمعه هناك سنة ١٩٣٤.
قام نيافة الأنبا مكاريوس مطران أسيوط بسيامته رئيسًا للشمامسة في ٢٦ يونيو سنة ١٩٣٢
وذاعت شهرته كواعظ. وفي القاهرة كان يعظ كثيرًا في منطقة جزيرة بدران، وساعد بوعظه على شراء وتأسيس الكنيسة سنة ١٩٣٦. وحينما كان يعظ، كان الفناء كله يمتلئ، ويقف الناس في شارع جزيرة بدران يستمعون إليه.
وكم وقفت أنا في هذا الشارع استمع إليه:
وكانت العظة التي يلقيها تُكتب مباشرة. وفي ثاني يوم للوعظ يشتريها الناس مطبوعة.
ليت القدامى من أهل حي جزيرة بدران، يجمعون عظاته ويُعيدون طبعها. وليس لدينا من مطبوعاته سوى كتاب “إيضاحات الاخلاص في طريق الخلاص” ويشمل موضوعات لاهوتية مثل التجسد والفداء وغيرها، بلغته السهلة المفهومة.
نرجو أن يكون موعدنا في العدد المقبل إن شاء الله عن الأرشيدياكون حبيب جرجس.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 11-8-1991م




