أسبوع الآلام

أسبوع الآلام1
- تذكر يوم أحد السعف ملكوت الله على قلبك. Many Reasons for the Disciples’ Joy in the Glorious Resurrection
- ماذا تستفيد لو ملك المسيح على العالم، ولم يملك عليك؟!
- ليكن سلوكك خارج الكنيسة متمشيًا مع سلوكك داخلها.
- الروحيات ليست فقط للمناسبات بل هي حياة تستقر لتستمر.
- إنها آلامنا، وليست آلامه، جعلها آلامه، لمحبته لنا.
- نتذكر آلامه عنا فننسحق.
- في خميس العهد يفتح الهيكل، فأفتح فيه قلبك للرب.
- تأملات في تسبحة البصخة وفي يوم الجمعة الكبيرة.
نحتفل اليوم بأحد الشعانين أو بأحد السعف، اليوم الذي دخل فيه السيد المسيح إلى أورشليم، واستقبلوه كملك بسعف النخل.
وترتفع تأملاتنا إلى ملكوت الرب داخلنا (لو١٧: ٢١)، ونفكر كيف نفتح للرب قلوبنا وأفكارنا كي يملك عليها. ونحاول أن نخضع في أنفسنا كل ما يتمرد على ملكوت الله.
وينتهي أحد السعف بجناز عام تقيمه الكنيسة على أرواح الذين ينتقلون من العالم في هذا الأسبوع الذي لا نقيم فيه صلوات جناز ولا تراحيم، مركزين على آلام المسيح وحده. فما هو شعورك أثناء هذا الجناز؟
لعل كل إنسان يفكر أن هذه الصلوات هي له. فما أدراه؟ إن الموت يأتي بلا ميعاد…! وعجيب أن نسمع ألحان الحزن بعد ألحان الفرح مباشرة…
إن فرح الشعب بالمسيح يوم أحد الشعانين، صحبه في نفس الوقت أحد رؤساء اليهود، الذين بدأوا يفكرون في قتله، قائلين بعضهم لبعض “انظروا إنكم لا تنفعون شيئًا. هوذا العالم قد ذهب وراءه”(يو١٢: ١٩) …
دفعهم الحسد إلى التآمر على قتله رافضين أن يملكوه عليهم. تمامًا كما حدث لهيرودس الذي لما سمع بميلاد المسيح الملك، أمر بقتل جميع الأطفال لعله يكون من بينهم!!
أما نحن فنحتفل بالسيد المسيح ملكًا ليس فقط يوم أحد الشعانين، وإنما طوال أسبوع الآلام. ونغني لك في كل ساعة من ساعات هذه الأيام قائلين “لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد أمين، يا عمانوئيل إلهنا وملكنا”.
وفي يوم الجمعة الكبيرة بالذات، نركز على ملك المسيح، لأنه “ملك على خشبة” (مز ٩٥). “واشترانا بدمه” (رؤ٥: ٩) …
نذكر كيف أنهم كتبوا على صليبه لافتة “يسوع الناصري ملك اليهود” (مت٢٧: ٣٧). واللص على الصليب خاطبه كملك (لو٢٣: ٤٢).
ونحن نرتل له قائلين “قضيب الاستقامة هو قضيب ملكك” (مز ٤٤).
كان المسيح ملكًا. وقيل عنه أنه “ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ١٩: ١٦). وأنه “ليس لملكه نهاية” (لو1: 33).
ولكن ماذا تستفيد لو ملك المسيح على العالم كله، ولم يملك عليك أنت؟؟ ليتك في هذا اليوم تقبل المسيح ملكًا عليك، وتنضم عمليًا إلى ملكوته…
شركة آلام المسيح
على أنك إن قبلت ملك المسيح لابد تدخل في الآلام مثله، وتحمل صليبك وتتبعه (مت61: 24). وتختبر “شركة آلامه” (في3: 10). “تألم معه لكي تتمجد أيضًا معه” (رو8: 17).
من هنا كانت أهمية الصليب في المسيحية… وأهمية الباب الضيق الذي تحدث عنه الرب (مت7: 13). وقول الكتاب “بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله” (أع14: 22).
فإن كان المسيح في هذا الأسبوع قد خرج خارج المحلة حاملاً عاره، فالكنيسة أيضًا تخرج معه إلى خارج المحلة…
تترك قدس الأقداس “الهيكل والمذبح” وتترك الخورس الأول، خورس القديسين وتصلي في الخورس الثاني. وتجلل الكنيسة كلها بالسواد: الجدران، الأعمدة والمنجلية، والأيقونات… المظهر العام كله وتصلي الكنيسة بألحان الحزن طوال الأسبوع، مشاركًة لسيدها الذي تألم عنها، إلى أن تكمل احتفالها بصلبه وموته…
وتظل الكنيسة تتبع الرب خطوة خطوة في أسبوع البصخة كله.
ويقرأ من الأناجيل الأربعة أحداث تلك الأيام، بكل دقة، مع ما يناسبها من المزامير ومن نبوات العهد القديم…
وهنا نرى أن الكنيسة لا تغفل العهد القديم في قراءاتها، سواء في أسبوع البصخة أو في الأربعين المقدسة.
وتضيف الكنيسة إلى هذه القراءات بعض التفاسير ومقتطفات من عظات الآباء القديسين…
وهكذا يكون هذا الأسبوع مؤثرًا جدًا في قراءاته، مع ألحان ربما تسمعها للمرة الوحيدة خلال العام كله…
ومن هنا كان حرص الناس على حضور الكنيسة في هذا الأسبوع المقدس. وعموم المؤمنين يسلكون في هذه الأيام بنسك شديد جدًا، ويبتعدون عن كل ملاذ الجسد… متذكرين كيف أن السيد المسيح قدم جسده ذبيحة من أجلنا… فإن كان هو قد تألم عنا، فكيف نسلك نحن في شهوات الجسد أو في كل ما يريده الجسد من متعة أو راحة…؟!
وكل هذا حسن جدًا ونافع، غير أننا نود أن نشفعه بنصيحتين:
١- أن يكون سلوكنا خارج الكنيسة متمشيًا مع سلوكنا داخلها.
2- إننا لا نفقد في أيام العيد والخماسين ما نلناه من فوائد روحية في أسبوع البصخة…
ذلك أن كثيرين يخرجون من صلوات الكنيسة المؤثرة، إلى حياتهم العادية في لقاءات وأحاديث تفقدهم كل ما اكتسبوه من روحيات. وحتى إن احتفظوا بروحياتهم خلال هذا الأسبوع لا تبقى تأثراتهم بها فيما بعد…
وعلينا أن نعلم أن الحياة الروحية، ليست هي روحيات في مناسبات، إنما هي حياة تستقر فتستمر…
أن نأخذ من تأثراتنا في أسبوع الآلام، مبادئ روحية تثبت معنا في أيام الفرح… وليكن منها أننا لا نؤلم مشاعر الرب بأي تصرف خاطئ…
عالمين أن كل خطايانا إنما نضعها على رأس المسيح الذبيح ليُعطي عنها حسابًا للآب نيابًة عنا… وليمحوها بدمه فخطايانا هي قطرات في الكأس التي أعطاه الآب إياها ليشربها (يو18: 11).
انظروا كيف قال الرسول عن الذين استنيروا، وذاقوا كلمة الله الصالحة وسقطوا. “إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانيًة ويشهرونه” (عب6: 6).
تأثرنا بآلام المسيح
إن شعورنا بآلام المسيح، يجعلنا لا نؤلمه بخطايانا، ويؤكد لنا أن الخطية موجهة أصلًا ضد الله، مهما كانت ضد الناس أو ضد أنفسنا…
ذلك لأننا نخطئ، والمسيح هو الذي يدفع الثمن عنا…
“كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا” (إش53: 6)، لذلك قال عنه الوحي الإلهي أنه “مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا” “أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها” “جعل نفسه ذبيحة إثم” “وأحصي مع أثمة. وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين” (إش53: 4- 12).
من أجل هذا وضعت الكنيسة آلام المسيح أمامنا باستمرار، وليس في أسبوع البصخة فقط، الذي هو مجرد تركيز…
فالكنيسة تجعلنا نصوم يوم الجمعة من كل أسبوع، لنتذكر آلام المسيح وصلبه وموته. يضاف إليه صوم الأربعاء متذكرين التآمر عليه. هذا هو التذكار الأسبوعي.
وتذكرنا الكنيسة كل يوم بصلب المسيح في صلاة الساعة السادسة وبموته في صلاة الساعة التاسعة. إنه تذكار يومي.
وصليب المسيح الذي نراه أمامنا في كل حين، ونرشم به أنفسنا في كل صلاة، إنما هو تذكار دائم لآلام المسيح…
لو لم تكن ذكرى آلام المسيح على هذا القدر من الفائدة، ما كانت تضعها الكنيسة أمامنا في كل حين.
إنها آلامنا أصلًا، وليست آلامه. وقد صارت آلامه بسبب محبته لنا…
من أجل محبته لنا تألم عنا ومات بدلًا منا، لكي ينقذنا من الموت بموته ومن أجل محبته لنا، بذل ذاته عنا. كان بإمكانه ألاّ يتألم، وكان بإمكانه ألاّ يصلب. وكان يستطيع أن ينزل من على الصليب أمام تحدي أعدائه… ولكنه لم يفعل، لكي نحيا نحن. وكما قال “ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو15: 13) …
ونحن إذ نتذكر آلام المسيح عنا، إنما نتذكر خطايانا، فنسحق نفوسنا.
لذلك كان أسبوع الآلام هو أسبوع توبة، أو أسبوع يقودنا إلى توبة دائمة، بل هو أيضًا أسبوع الحب. نذكر فيه حب الله لنا، الذي دعاه إلى إخلاء ذاته، وإلى التجسد والألم وموت الجسد… فنبادله حبًا بحب، وكما قال الرسول:
“نحن نحبه لأنه هو أحبنا قبلًا” “ليس أننا نحن أحببنا الله، بل إنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا” (1يو٤: ١٠، ١٩).
إذًا علينا خلال أسبوع الآلام أن نفكر في ما هو الأسلوب الذي نقابل به محبة الله لنا؟ هل نقابلها بمزيد من الألم نقدمه له نتيجة خطايانا؟
وإن حدث هذا، أفلا تكون خيانة منا لمحبة الرب، الذي نقابل محبته بالانضمام إلى أعدائه الشياطين؟!! وأيضًا بجحودنا لمحبته عن طريق محبتنا للعالم أكثر؟!…
هنا ونتذكر خطية يهوذا الخائن، وكل خيانة مثلته، وكل ضعف أظهره أحباء الرب حتى قال “جرحت في بيت أحبائي” (زك13: 6).
في أسبوع الآلام نرى أمامنا مفارقة عجيبة بين محبة الله للبشر وقوته في البذل، ومن الجانب الآخر ضعف البشر وجحودهم، ليس فقط من جهة خيانة يهوذا، وإنما أيضًا من جهة نكران بطرس، وهروب التلاميذ، وخيانة الشعب الذي أحسن إليه الرب ولكنه قال “اصلبه اصلبه”، وأيضًا خيانة اليهود الذين رفضوه كملك وصاحوا قائلين “ليس لنا ملك إلا قيصر” (يو19: 15)، بينما هم الذين طلبوا المسيح ليخلصهم من قيصر!!
ضعفات أثناء آلام المسيح
في أسبوع الآلام تركيز على خيانة يهوذا… والخائنون كثيرون. المهم أنك لا تكون خائنًا للرب كواحد من هؤلاء…
إن الخطية عمومًا هي خيانة لله… خيانة لمحبته ولإحساناته، وخيانة لما قدمه لنا من فداء وخلاص، وخيانة لسكناه في قلوبنا ولعمل روحه القدوس فينا، وخيانة له فيما قدمناه قبلًا من عهود ووعود…
تذكر إذًا كل خياناتك للرب، وقدم عنها توبة في هذه الأيام المقدسة…
ولا تعاير القديس بطرس في إنكاره للمسيح فربما تكون قد أنكرته مثله!
وربما كان إنكارك بالفعل وبالتصرف، وليس بمجرد الألفاظ. خف إذًا من هذا، لأنه قال “من ينكرني قدام الناس، أنكره أنا أيضًا قدام أبي الذي في السموات” (مت١٠: ٣٣).
وقال القديس بولس الرسول “إن كنا ننكره، فهو أيضًا سينكرنا” (٢تى٢: ١٢).
إن أخطر عبارة ينكر بها الرب ناكريه هي قوله لهم في اليوم الأخير إني لم أعرفكم قط” (مت٧: ٢٣)، (لو١٣: ٢٥، ٢٧).
ولعل البعض يجادلون قائلين “إننا لم ننكر الرب قط” وهؤلاء يجيب عليهم القديس بولس الرسول بقوله “يعترفون بأنهم يعرفون الله، ولكنهم بالأعمال ينكرونه”… (تي١: ١٦).
انظر إذًا إلى أعمالك التي تنكر بها الرب، وقدم عنها توبة حقيقية. واستفد من قداسات هذا الأسبوع.
وفي قمتها قداس يوم خميس العهد، وهو أعظم قداسات السنة كلها.فعلى العهد الذي أخذناه فيه نقيم كل قداساتنا. يسبقه قداس أحد الشعانين. ويليه قداس سبت النور. ويأتي بعد ذلك قداس عيد القيامة.
خميس العهد
هو أول يوم نفتح فيه الهيكل في أسبوع الآلام، فافتح فيه قلبك لله، وأدخل إلى قدس الأقداس.
إننا نذكر في هذا اليوم المبارك العظيم أربعة أمور هامة هي:
١- لقان خميس العهد، وغسل السيد لأرجل تلاميذه، وقوله بعدها لهم “أنتم الآن طاهرون” (يو١٣: ١٠). فاذكر هذه الطهارة اللازمة لك، لكي تتقدم بها للتناول. ولا تكتف بغسل رجليك دون طهارة قلبك.
٢- تأسيس سر الأفخارستيا… وأول تناول في العهد الجديد تم في ذلك اليوم. لذلك استعد للتناول في هذا اليوم المقدس… بالتوبة وتنقية القلب والعزم على حياة جديدة ثابتة في الرب.
٣- نذكر في يوم خميس العهد أيضًا جلسة روحية طويلة بين السيد المسيح وتلاميذه حدثهم فيها عن محبته، ووعدهم فيها بإرسال الروح القدس إليهم (يو١٣: ١٦).
خذ هذه الأصحاحات الأربعة من إنجيل يوحنا مجالًا لتأملك الخاص، واعتبر كل كلمة موجهة إليك أيضًا، وأذكر تعزيات المسيح لتلاميذه، وبخاصة قوله لهم:
“آخذكم إليَّ. حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا” (يو١٥: ٣).
٤- المناجاة الطويلة بين المسيح والآب (يو١٧). وهي درس عميق في الخدمة. ليتك على الأقل تأخذ منها هذه العبارة مجالًا للتأمل والتطبيق، وهي قوله… “أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته” (يو١٧: ٤).
لقد وضعت لك كتابين أحدهما عن خميس العهد، والثاني عن الجمعة الكبيرة، يمكن أن تقرأهما في هذين اليومين مع كتاب ثالث عن كلمات المسيح على الصليب.
لذلك سأترك هذه النقاط، لا داعي لأن أستفيض فيها، إنما أقول كلمة بسيطة عن
الجمعة الكبيرة…
إنها أقدس أيام السنة. فالزم الكنيسة فيها. وأشعل قلبك بكل صلواتها وألحانها وقراءاتها.
وفي أثناء المطانيات، اعترف بكل خطاياك ليحملها المسيح على صليبه. وقدم شكرًا لله على كل إحساناته. وأذكر كل طلباتك وطلبات أحبائك لتستجاب في بركة هذا اليوم. وصل قطع الساعة السادسة من كل قلبك. ورتل مع اللص قوله “اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك”.
وفي لحن آجيوس، أطلب من الرب هذه القداسة.
وأذكر قول الكتاب “نظير القدوس الذي دعاكم، كونوا أنتم أيضًا قديسين” (١بط١: ١٥).
تسبحة البصخة…
طوال أسبوع الآلام، نرتل هذه التسبحة “لك القوة والمجد والبركة” ونستعيض بها عن صلوات المزامير. وقد وضعنا لك كتابًا فيها، اقرأه من الآن، ومعه تأملات في أسبوع الآلام.
وليكن هذا الأسبوع مباركًا تشعر بفاعليته في حياتك…
<hr size=2 width=”100%” align=center>
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 7-4-1985م




