أسباب كثيرة لفرح التلاميذ بالقيامة المجيدة

أسباب كثيرة لفرح التلاميذ بالقيامة المجيدة1
قال لهم الرب قبل الصلب “لكني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو16: 22). وقد رأوه بعد القيامة ففرحوا. فماذا كانت أسباب فرحهم؟
1 – أولًا فرحوا لأنهم التقوا به ثانية
ليس أمرًا سهلًا، أن يلتقي أحد بحبيب له بعد موته.. لذلك قال القديس يوحنا الحبيب “الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا” (1يو1: 1). وقال القديس بطرس الرسول “.. نحن الذين أكلنا وشربنا معه، بعد قيامته من الأموات” (أع10: 41). ولم يكن لقاء واحد معه بعد قيامته، وإنما كانت فترة أربعين يومًا، أراهم فيها نفسه حيًا ببراهين كثيرة، وهو يظهر لهم ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3). لذلك كان فرحهم كاملًا.
2 – وفرحوا أيضًا لأن الرب قد انتصر على الموت..
قام بنفسه، وخرج من القبر المغلق حيًا، دون أن يقيمه أحد. وحقق قوله من قبل “إني أضع نفسي، لآخذها أيضًا. ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا” (يو10: 17، 18). وهذا الأمر الذي فرحوا به، أوصلهم إلى أسباب أخرى للفرح.
3 – سقطت هيبة الموت أمامهم. وعرفوا أنه ليس نهاية للحياة. والفرح بالقيامة منحهم شجاعة.
بل هناك حياة أخرى بعده، تبدأ ولا تنتهي. وهكذا استهزأ بولس الرسول فيما بعد الموت، وقال ” أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟! (1كو 15: 55).
وبهذا عرفوا أن الموت مجرد انتقال من حياة إلى حياة أخرى. ولذلك ما عادوا يخافون الموت.. أقصى ما يستطيعه أعداؤهم أن يهددوهم بالموت. وما قيمة التهديد بالموت، لمن يؤمن بالقيامة، وقد رآها؟
فرحوا إذن لأنهم إن ماتوا، سيقومون كما قام المسيح ولهذا كانوا يبشرون بالقيامة بكل شجاعة وجرأة..
4 – وبقيامة المسيح، شعروا أنهم في ظل إله قوي..
فالذي يؤمنون به “بيده مفاتيح الهاوية والموت” (رؤ1: 18) “فيه الحياة” (يو1: 4)، بل هو مصدر الحياة.
بل هو القيامة والحياة.. من آمن به، ولو مات فسيحيا (يو11: 25). ليس على الأرض فقط، بل أيضًا تكون له الحياة الأبدية..
5- وفرح التلاميذ لأن الرب قد وفى بوعده لهم.
قال لهم أنه سيقوم ويرونه، وقد حدث كما قال لهم. لذلك في فرحهم بقيامته، وثقوا بكل وعوده الأخرى وتحقيقها.
وفي قيامته فرحوا بوعده الذي قال فيه “أنا ماض لأعد لكم مكانًا. وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وآخذكم إلي، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا” (يو14: 2، 3).
وثقوا أيضًا بوعده في إرسال الروح القدس إليهم (يو16: 7)، وأنهم سينالون قوة متى حل الروح القدس عليهم (أع1: 8). ووثقوا فيما بعد بوعده أنه سيكون معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 20)
6 – فرح التلاميذ أيضًا لأن القيامة غيرت كل شيء وخلصتهم من شماتة الأعداء.
حقاً، كما كان أعظم الفرق بين يوم الصلب ويوم القيامة. كان يوم الصلب يومًا محزنًا ومؤلمًا من الناحية النفسية، وإن كان من الناحية اللاهوتية يوم خلاص.. ولكن الناس لم يروا وقتذاك سوى الآلام والإهانات والشتائم والجلد والمسامير، ولم يروا ذلك الخلاص، ولا رأوا فتح الفردوس، ولا نقل الراقدين على رجاء إلى هناك.. وكان التلاميذ في رعب. فلما رأوا الرب فرحوا.. تغير الحال تمامًا. وانتصر الحق على الباطل. وتخلصوا من شماتة الأعداء. وكأنهم كانوا يقولون من قبل حول قبره:
ارفع رؤوسًا نكست وأشفق بأجفان البكاة
شمت الطغاة بنا فقم وأشمت بأسلحة الطغاة
حسبوك إنسانًا فنيت فلا رجوع ولا نجاة
ولأنت أنت هو المسيح وأنت ينبوع الحياة
7 – فرح التلاميذ، لأنهم خرجوا من العلية إلى الحرية
كانوا في العلية المغلقة عليهم، في خوف ورعب.. كانوا خائفين من مجرد انتمائهم إلى يسوع المصلوب.. ولكنه دخل إليهم في العلية وأبوابها مغلقة، ومنحهم السلام.. فخرجوا في شجاعة.. والتقوا به في الجليل.. وبعد العنصرة بشروا به في كل مكان. وقد تخلصوا مما كان في قلوبهم من خوف، وواجهوا الموقف، وتكلموا بكل مجاهرة عن قيامته. وفي منع القادة لهم، أجابوهم: ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس (أع5: 29).
8 – وفي فرحهم بالقيامة، فرحوا بالملكوت الذي سيكون لهم بعدها، وبالنعيم الأبدي وكل ما فيه.
عرفوا أن القيامة لها ما بعدها. واستطاع القديس بولس الرسول أن يعبر عن ذلك بقوله “ما لم تره عين، ولم تسمع به أُذن، ولم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو2: 9). وتحدث هذا القديس أيضًا عن الإكليل المعد فقال:
“وأخيرًا وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل. وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا” (2تي4: 8).
كما أن الرب في سفر الرؤيا، شرح أمجادًا أخري للغالبين سينالونها بعد القيامة.
فتحدث عن شجرة الحياة، وإكليل الحياة، والمن المخفي، والاسم الجديد، والسلطان، وكوكب الصبح، والثياب البيض.. (رؤ2، 3). بل ما أجمل قوله “من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي، كما غلبت أنا أيضًا وجلست مع أبي في عرشه” (رؤ3: 21).
إننا لا نستطيع أن نفصل القيامة عن أمجاد القيامة، هذه التي من أجلها اشتهى القديسون الموت.
9 – وهكذا فرحوا أن القيامة صارت لهم مجرد وسيلة وليست غاية في ذاتها.
إنها وسيلة للعشرة الدائمة مع الرب، والتمتع به في فرح دائم لا ينطق به ومجيد، مع مصاف ملائكته وقديسيه.. وعن هذا قال القديس بولس الرسول: “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جدًا (في1: 23). وقال أيضًا بنفس الهدف “وتكون كل حين مع الرب” (1تس4: 17).
وتحدث القديس يوحنا في رؤياه عن أورشليم الجديدة النازلة من السماء، التي ستكون مسكن الله مع الناس. حيث هو يسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا (رؤ21: 2، 3) حقًا إن الفرح بقيامة المسيح، أوصل إلى الفرح بالقيامة العامة التي تكون لها كل هذه الأمجاد..
وبالفرح بقيامة المسيح الذي صار باكورة للراقدين (1كو15: 23)، أصبحت القيامة شهوة للكل وإيمان الكل، كطريق يوصل إلى النعيم الأبدي مع الله. وهذا هو هدف حياتنا على الأرض.
10 – وفي فرح التلاميذ بالقيامة، فرحوا أيضًا بكل ألم يلاقونه من أجل الشهادة لهذه القيامة.
لقد جلدهم أعضاء مجمع اليهود ثم أطلقوهم “وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا لأجل اسمه” (أع6: 40، 41).
وأصبح للألم مفهوم جديد في فكرهم، في ظل أفراح القيامة، لأنه الطريق إلى المجد، واضعين أمامهم هذا الشعار “إن كنا نتألم معه، فلكي نتمجد أيضًا معه” (رو8: 17). وهكذا تحملوا الألم في فرح وهم يقولون “كحزانى، ونحن دائمًا فرحون” (2كو6: 10).
في فرحهم بالقيامة، ما عادوا يتضايقون من أية اضطهادات. بل أن القديس بولس يجعلها مصدر سروره فيقول “لأني أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح” (2كو12: 10).
11 – وفرحوا بالقيامة، لأن السيد أظهر لهم فيها شيئًا من مجده وعظمته.
ليس فقط في خروجه من القبر، دون أن يراه أحد، أو خروجه من الأكفان وتركها في موضعها (يو20) أو دخوله عليهم في العلية والأبواب مغلقة (يو20: 19)، أو في عظمة صعوده إلى السماء (أع1: 9) … وإنما أيضًا لما ظهر لشاول الطرسوسي، ظهر في نور عجيب أبرق حوله من السماء، حتى ارتعد شاول وتحير (أع9: 3 – 6).
وظهر ليوحنا الرائي “ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها، حتى وقع عند قدميه كميت” (رؤ1: 16 – 17) ….
12 – وفرح التلاميذ، لأنهم في قيامة الرب استؤمنوا على رسالة، ونالوا مواهب لإتمامها.
نفخ السيد في وجوههم، وقال لهم ” اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه غفرت له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت… كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” (يو20: 21 – 23). وهكذا نالوا نعمة الكهنوت وعمله…
وقال لهم الرب أيضًا “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم جميع ما أوصيتكم به” (مت28: 19، 20). “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد خلص.. وهذه الآيات تتبع المؤمنين..” (مر 16: 15-17). وبهذا أخذوا سلطان الكرازة والتعليم والتعميد، وسلطان صنع المعجزات..
وهكذا أصبحت لهم رسالة، ورسالة عظيمة وجليلة، يحيون لأجلها، ويجاهدون لتحقيقها، ويكللون بسببها. كل هذه كانت بعض أفراح القيامة..
13 – وقد فرحوا أيضًا بجسد القيامة الممجد.
الجسد الذي استطاع به السيد المسيح أن يرتفع إلى السماء وهم ينظرون (أع1: 9). وفرحوا أنهم سيكون لهم مثل هذا الجسد في القيامة، وكذلك جميع المؤمنين وقد عبر القديس بولس الرسول عن هذا بقوله عن الرب يسوع “الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده” (في3: 21). وشرح في رسالته إلى كورنثوس جسدنا في القيامة، وكيف سيكون جسدًا روحانيًا سماويًا، يقام في مجد وفي قوة (1كو 15) … إنه أمر بلا شك يدعو إلى الفرح..
14 – وفرح التلاميذ لأن الرب قد وعدهم بعد قيامته قائلًا: “ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت28: 20).
إنها إذن لم تكن مجرد قيامة وظهور، وإنما يكون معهم كل الأيام. وليس فقط إلى انقضاء هذا الدهر، وإنما في الدهر الآتي أيضًا، الذي قال لهم عنه “حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا” (يو14: 3).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 14-5-1995م




