أحقاً أنت تعرف الله؟

أحقاً أنت تعرف الله؟
تكلمنا في المحاضرات السابقة عن اليقظة الروحية. ولما كان هذا الموضوع طويلا ، ويحسن أن نجمع محاضراته الكثيرة في كتابنا، لذلك سنكتفي بما نشرنا، ونبدأ موضوعاً آخر ” معـــــــــرفة الله ، والوجود معه”
أحقاً أنت تعرف الله؟
” أحقاً أنت تعرف الله؟ ” لا نقصد أن نوجه هذا السؤال إلى الإنسان الملحد أو البعيد عن الكنيسة، إنما نوجه بالأكثر إلى الذين يظنون أنهم يعرفون الرب ويعبدونه، ويرددون قانون الإيمان قائلين بصوت عال ” بالحقيقة نؤمن بإله واحد…”.
كثيرون تقابلوا مع المسيح وعاشروه، ولم يعرفوه!!
كثيرون سيقولون له في اليوم الأخير ” يارب يارب ، أليس بإسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟”. فيجيبهم الرب قائلاً” إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يافاعلي الاثم”(متي7: 22-23).
بنفس الوضع _ العذراي الجاهلات: كن عذاري، حفظن بتوليتهن، وأخذن مصابيحهن، وأنتظرن العريس. وكن مؤمنات به، وقرعن بابه قائلات” ياربنا، ياربنا ، أفتح لنا”. فأجابهن” الحق أقول لكن إني ما أعرفكن(متي25:12).
مريم المجدلية: بعد القيامة قابلت الرب وكلمته ولم تعرفه، بل ظنت أنه البستاني! كذلك تلميذا عمواس: قابلاه وكلماه ولم يعرفاه. وكذلك المولود أعمي بعد أن شفاه الرب، وبعد أن دافع عن الرب أمام اليهود، لم يكن يعرفه بعد… وعندما سأله الرب ” أتؤمن بإبن الله؟” أجابه” من هو ياسيد لأؤمن به؟”(يو9:36). وإن كان قد آمن أخيراً كالمجدلية وتلميذي عمواس…
اليهود عاصروا السيد المسيح وعاشروه، ولم يعرفوه. بل قال الكتاب إن ” النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه”( يو 1:5)
إن معرفة الله ليست بالآمر الهين. معرفته تعني ان توجد بيننا وبينه علاقة شخصية: معرفته تتلخص في قول المرتل” ذوقوا وأنظروا ما اطيب الرب…”.
العلاقة بالله ليست إيماناً عقلياً وليست شكليات. فالشياطين” يؤمنون، ويقشعرون”(يع2 :19) مجرد إيمان عقلي لا ينفع شيئاً. بلعام كان نبياً، وتنبأ عن السيد المسيح نبوءات صادقة حقيقة، ثم هلك. لم تكن له علاقة بالرب شخصية، ولم تنفعه نبوءته…
قد يوجد موظف يعرف اسم الوزير، ويعامل مع أوامره وقرارته، ويبلغها للناس، ومع ذلك ليست بينه وبين الوزير علاقة. وقد يوجد فلاح يستخدم الكهرباء في حياته، في كثير من أجهزتها، ومع ذلك لا يعرف ما هى الكهرباء، ولا كيف تعمل… مجرد معرفة سطحية لا عمق فيها.
كذلك يوجد أشخاص يصلون ويصومون، ويدخلون الكنيسه، لهم خدمة فيها، ومع ذلك لا يعرفون الله أطلاقاً.
الفريسي كان يتردد على الهيكل، ويصلي ويصوم يومين في الاسبوع، ويعشر جميع أمواله ولم يكن مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة . ومع ذلك لم تكن له علاقة مع الله، ولم يخرج من الهيكل مبرراً(لو18 : 11-14).
فريسي آخر أدخل المسيح في بيته، ولم يدخله في قلبه. أضافه ولم يعرفه. وحينما سكبت المرأة طيبها على قدميه ومسحتهما بشعر رأسه، شك فيه(لو7: 39)
كثيرون لا يعرفون الرب على الرغم من ايمانهم وصلواتهم. يصلون، وليست لهم بالرب علاقة ولا معرفة. هؤلاء هم الذين يقول عنهم الرب” هذا الشعب يقترب إلى بفمه، ويكرمني بشفيته، أما قلبه فمبتعد عني بعيداً”(متي15 :8). بل أن الرب وبخهم بشدة قائلاً” حين تبسطون أيديكم، استر وجهي عنكم. وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع”(أش1: 15)… إنهم يصلون ولكنهم لم يذوقوا الرب بعد …
لم يعرفوا الرب. وإن ظنوا أنهم يعرفونه، تكون مجرد معرفة عقلية.
إن مجرد المعرفة العقلية لا تكفي. لابد من معرفة الخبرة. سأل شخص صديقه” هل تعرف فلاناً؟” فقال “نعم”. فسأله” هل عاشرته؟ هل اختبرته؟” فأجاب ” لا ” فقال له ” إذن فأنت لا تعرفه”.
المعرفة الحقيقية هى الخبرة، معرفة العشرة والعلاقة الشخصية. كثيرون يعرفون الله من الكتب فقط، وليس من الحياة… وهم بهذا كأنهم لا يعرفونه…
إن معرفة الله ليست بالأمر الهين . إن فيلبس أحد الأثني عشر قال له السيد المسيح ” أنا معكم زماناً هذه مدته، ولم تعرفني يافيلبس؟!”(يو 14: 9)…
إذن هذه المعرفة لازمة حتى للرسل…
بولس الرسول الجبار يقول ” خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح وأوجد فيه… لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه”. “إني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي” (في2: 8-10). والسيد المسيح نفسه يبين أهمية هذه المعرفة في قوله للآب:
“هذه هى الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الآله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته”(يو17: 3)
إن عبارة يوحنا المعمدان ما تزال ماثلة أمامنا حتى الآن” في وسطكم قائم، لستم تعرفونه”(يو1: 26). المسيح في وسطنا، ونحن لا ندركه، ولا نعرفه، ولا نراه… ننشغل بالمعرفة النظرية، بالكتب، بالأفكار، ونظن أنها كل شيء… ونبقي في جهلنا بالله…!
إن عرفنا الله معرفة حقيقية، لابد أن هذه المعرفة تغير حياتنا. الشخص الذى عرف المسيح وذاق حلاوته، لا يطيق محبة العالم والأشياء التى في العالم، لأن محبة العالم عداوة لله… بل يقول بإستمرار ” من يوم أن عرفت المسيح، تغيرت… كلمة الله الفعالة كان لها تأثيرها في قلبي وفي حياتي”.
من يوم أن تقابل شاول الطرسوسي مع المسيح في الطريق إلى دمشق، تغير شاول تغيراً كاملاً وتحول إلى بولس… وأنت أيها الابن المبارك هل عرفت المسيح؟ هل رأيته في الطريق إلى دمشق؟ وهل تغيرت؟ وهل سقطت قشور من على عينيك، وأصبحت تنظر جيداً، وتري الرب…؟
هناك قصة خيالية تأملية كتبها أحد الروحيين على لسان أحد الجنود الذين اقتسموا ثياب المسيح وقت صلبه، قال فيها: اقتسمنا ثيابه بيننا. وكان حذاؤه من نصيبي، فلبسته. وإذا بهذا الحذاء يقودني في طريق لم أكن أعرفها من قبل. وإذا بي دون أن أدري في طريقي إلى جبل الزيتون. وأنا الذى كنت أكره الصلاة واحتقرها، وجدت نفسي راكعاً بجوار إحدي الاشجار أصلي.
هناك فرق كبير بين المعرفتين الاختبارية والعقلية . استطاع أيوب الصديق أن يفرق بينهما حينما قال” بسمع الاذن سمعت عنك، والآن رأتك عيناي( أي42: 5). ولعل هذا هو نفس ما قاله أهل السامرة. في بدء الأمر دعتهم المرأة السامرية لرؤية المسيح قائلة” هلموا أنظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت”. فلما أتوا ورأوه وآمنوا به قالوا للمرأة أننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن. كان ايمان من قد رأوه أعمق بكثير، في تأثيره العجيب(يو4). ولعل هذا أيضاً كان شعور ملكة سبأ عندما رأت سليمان، إذ يقول الكتاب إنه” لم يبق فيها روح بعد”(امل10: 5). كانت تسمع ولا تصدق الأخبار، حتى رأت وأبصرت…
إننا ندعو الناس إلى معرفة الله بحياة الاختبار، بالعشرة، بالصلة الحقيقية والعلاقة الشخصية. ونقول لهم: إن الذي ليست له حياة مع الله وصلة بالله، لا يمكن أن يعرف الله. إن الكتب وحدها لا تكفي، والمحاضرات والمعلومات لا تكفي إنها تملأ العقل أفكاراً. وقد يبقي القلب فارغاً، لا مشاعر فيه، ولا حب، ولا عاطفة، ولا أحاسيس. وكما قال أحد
الكتاب” ماذا تستفيد إن عرفت كل المعلومات عن الثالثوث الأقدس، والثالوث الأقدس غير ثابت فيك، ولا أنت فيه”.؟..
لا نريد أن نكون مجرد علماء، فالعلم وحده ينفخ. الشيطان عنده الكثير من المعرفة، ولكنه هالك. ومعرفته لون من الجهل. إن المعرفة الحقيقية هى معرفة” ذوقوا وأنظروا”.أبصرت البعض لهم معلومات كثيرة جداً، ومع ذلك لا يعرفون الله، وربما لا يعرفون أنفسهم أيضاً…
أننا نريد أن تتحول معلوماتنا إلى حياة، لأن الرب قال لنا”الكلام الذى أقوله لكم هو روح وحياة… وبهذه الروح، وبهذه الحياة، نعرف الله… لا بالعقل فقط، وإنما بالقلب، والإرادة والروح.. وعندئذ سنغني مع المرتل قائلين” أعطيتني علم معرفتك”…
لا نريد أن يعيش العقل منفرداً، مستقلاً عن القلب وعن الروح. لا نريد أن نترك للعقل وحده موضوع وجود الله، يفكر فيه كما يشاء. نريد أن يدخل القلب في هذا الموضوع وتدخل الخبرة أيضاً. بحيث تستطيع أن تثبت وجود الله من واقع حياتك. فتقول ” لقد رأيت يد الله في هذا الحادث” كانت يد الله واضحة، وقوية جداً ،عملت معنا عجائب”..
تستطيع أيضاً أن تدرك صفات الله، في معاملته لك ولغيرك، في أحداث حياتك وحياة الناس.
وبهذا تعرف الله، ليس فقط الاله الذي تتحدث عنه الكتب والعظات والمحاضرات، الذي يشرحه لك الناس حسب مفهومهم، وإنما الله الذي” رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا”(1 يو1:1)
إنه أمر مؤسف حقاً أن نعيش حياة دينية بعيدة الله، ليست لنا بالله صلة. مجرد رسميات وشكليات وممارسات… مثل الحياة بالناموس، قديماً … مؤسف حقاً أن يدعي اسم الله علينا، دون أن تكون لنا علاقة شخصية بالله.
أن الذين بدون الله، ليس شيئاً . الله هو مركز الدين كله. هو هدفه، ووسيلته- لو وصلنا إلى كل البر وكل الفضيلة، ولم نصل إلى الله، فليسنا شيئا..
ولا تكون هذه الفضائل سوي ممارسات، أو عمل من أعمال الناموس. كل القديسين كانت لهم صلة شخصية بالله.. كان اللة كل حياتهم كما قال داود.
وأما أنا فخير لي الالتصاق بالرب …
من الآن، فلنحاول أن نكون علاقة مع الله، صداقة، محبة، عشرة، صراحة… لكي ما نعرفه، ولكي يكشف لنا ذاته، فنراه..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد االرابع -26 أكتوبر1974م



