أبانا الذي في السموات

أبانا الذي في السموات1
في الصلاة الربية، ما يخص الله نطلبه أولاً الله هو وحده المعطي، لذلك نتجه إليه بالطلب نتجه إليه كأب، بكل حنانه، يعرف احتياجاتنا
القديسون كانت صلواتهم تمتعًا بمحبة الله كأب عندما نقول «أبانا» هل نتذكر أننا نسلك كبنين يكفي أن نقول ” يا أبانا “، وأنت تعرف الباقي..
تحدثنا في العددين الماضيين عن الصلاة وأهميتها وعن عبارة – لتكن مشيئتك – من الصلاة الربية. فلعله يكون من الأفضل أن نتناول الصلاة الربية كلها ونحاول أن نتأملها معًا من أول عبارة فيها.
فما الذي تحويه هذه الصلاة؟ إنها تحوي سبع طلبات: الثلاث الأولى منها خاصة بالله نفسه، وهي ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.
والثلاث طلبات الثانية خاصة بالإنسان وهي: خبزنا الذي للغد، أعطنا اليوم، وأغفر لنا ذنوبنا.. ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير.
وهكذا نجد في هذه الصلاة أن الله ينبغي أن يكون أولًا..
فنحن نطلب قبل كل شيء من أجل أن يكون اسم الله مقدساً بين الناس، وأن تكون مشيئته نافذة، وملكوته قائمًا، فهذا هو المهم، بغض النظر كانت طلباتنا أو لم تكن.. ولعلنا نجد ما يماثل هذا الأمر أيضًا في الوصايا العشر. فالوصايا الأربع الأولي، الخاصة باللوح الأول، هي وصايا خاصة بعلاقة البشر بالله. أما الوصايا الباقية فهي تخص العلاقة بين البشر والبشر.. ذلك لأن العلاقة بالله أهم.. وإن استطعنا أن نكون في علاقة طيبة مع الله، فإننا سنكون بالتالي وبالضرورة في علاقة طيبة مع الناس.
والرب يعلمنا هذا بقوله “اطلبوا أولًا ملكوت الله وبره.. وكل هذه تزدادونها” حتى دون أن تطلبوا.
ولما سئل السيد المسيح عن الوصية العظمى في الناموس، قال: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. أما الوصية الثانية فهي تحب قريبك كنفسك. وطبيعي إن كان الإنسان يحب الله من كل قلبه، فلابد أنه بالتالي سيحب قريبه.
الله إذن أولًا في الوصايا كما هو في الصلاة كذلك في الطاعة.
إذ ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس. وإن كان هناك ما يرضي الناس على حساب طاعة الله، فالله يفضل حتى لو غضب الناس. وفي ذلك يقول الرسول “إن كنت بعد أرضي الناس، فلست عبدًا للمسيح”.. هذا الذي قال “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني..”
في الصلاة نتجه نحو الله نرفع قلوبنا إليه قبل أيدينا
إن الإنسان له احتياجات كثيرة، وهو في الصلاة يطلبها من الله وليس من البشر.. وكما يقول المزمور “الاتكال علي الرب خير من الاتكال علي البشر” (مز117). ذلك لأن الله مصدر كل خير، ومصدر كل عطية صالحة. هو يريد أن يعطي، وهو قادر أن يعطي. وهو وحده الذي يعطي وليس البشر.
حتى العطايا التي نأخذها من الناس، نأخذها من الله عن طريقهم..
فالله هو الأصل. هو الذي أعطاهم ما يعطونه. وهو أيضًا الذي وضع في قلوبهم أن يعطوا. والعطية التي يأخذها الإنسان من الله، إنما يضمن أنها سليمة وصالحة. لأن “كل عطية صالحة، وكل موهبة تامة، إنما هي من فوق، نازلة من عند أبي الأنوار” (يع1: 17). وقد قال الكتاب: ملعون من يتكل على ذراع بشر.. ولهذا في بعض صلوات الكنيسة نكرر عبـــارة “من الرب نطلب”.
هذا الإله المعطي نتجه إليه كأب ونقول له في بداية صلواتنا.
أبانا الذي في السموات.
أن نتجه إليه كأب، وليس كمجرد سيد.. إنه كأب يعطينا بهذه الصفة فكرة عن حنانه وحبه، وعن طبيعة العلاقة العاطفية التي تربطنا به.. فنحن في الصلاة لسنا مجرد عبيد يخاطبون سيدهم، إنما نحن أبناء يكلمون أباهم.
وفي صلواتنا نطلب بدالة البنين وليس بذلة العبيد
علاقة البنوة هذه، واضحة جدًا في العهد الجديد، كررها السيد المسيح عدة مرات في العظة على الجبل، لكي يعلمنا أن الله هو أبونا..
وقد قال القديس يوحنا الحبيب: “انظروا أية محبة أعطانا الآب، حتى ندعى أولاد الله” (يو3: 1)
إذن عبارة أب، تدل على الحب العميق الكائن في قلب الله من نحو البشر، هو لا يريد أن يعاملهم كعبيد إنما كأبناء. وقد قال بصراحة في الإنجيل المقدس “لا أعود أسميكم عبيدًا، بل أحباء”.
وصفة الأب هذه ليست واردة في الصلاة الربية فقط.
بل أن الله هو الأب
وهذه العلاقة كانت موجودة منذ القدم، وإن لم يتنبه الكل لها.
بل أننا نري في الحديث عن أخطاء الناس قبل الطوفان، يقول الكتاب “رأي أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات”(تك6: 2). فكان البشر يدعون أولاد الله من قبل الطوفان.
وهذا التعبير نجده في قصة أيوب الصديق (أي1: 6)، (أي2: 1) ونجده في سفر إشعياء النبي إذ يقول “أنت يا الله أبونا”. ونجده في عتاب الله للخاطئين إذ يقول “ربيت بنين ونشأتهم. أما هم فعصوا علي” (أش1: 2). ونجده في الوصية المشهورة “يا ابني، أعطني قلبك”
والله كأب يعرف احتياجاتنا.
إنه يعرفها، حتى دون أن نطلب، ودون أن نصلي. وكما يقول الإنجيل المقدس “أبوكم السماوي يعرف أنكم تحتاجون إلى هذه كلها”.
لهذ هو يوفي كل احتياجاتنا، غير منتظر منا أن نطلبها في الصلاة ثم يقدمها لنا. ومن أجل هذا السبب، يجب أن نرتفع عن مستوي الطلبات المادية، مركزين قلوبنا في الروحيات، لأن هذه الماديات يقدمها الله كأب دون أن نطلب. بل أنه أكثر من هذه يشرق بشمسه على الأبرار والأشرار، ويمطر على الصالحين والطالحين، ويشبع كل حي من رضاه، دون طلب.
أنه يوفي حاجات أولاده كجزء من عمل رعايته كأب
لهذا ما كان القديسون يهتمون بأن يطلبوا شيئًا من أمثال هذه الاحتياجات إنما كانت صلواتهم هي تفرع للتمتع بمحبة هذا الأب.. ونحن حينما نقول “أبانا”:
إنما نتمسك بهذه العلاقة مع الله ونتذكر متطلباتها أيضًا..
إن الله كأب، يقوم بكل ما هو مطلوب من الأب أن يقوم به. ويظهر كل المشاعر الأبوية التي نتوقعها منه. ولكن السؤال الهام الذي ينبغي أن نضعه أمامنا كلما نصلي ونقول: “أبانا” هو هذا؟
هل نحن نسلك كبنين؟
حقاً أننا نلنا هذه النبوة، حينما آمنا ونلنا نعمة العماد. ولكن هل نحن فعلًا نسلك كأبناء من نحو أبيهم. هنا ويقف أمامنا قول القديس يوحنا الحبيب “إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البر مولود منه” (1يو2: 29).
إن أعمالنا تظهرنا إن كنا حقًا أبناء الله…
لهذا يقول الرسول إن أبناء الله ظاهرون (1يو3: 1).
ويقدم الرسول دليلًا خطيرًا على هذه البنوة فيقول “كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية.. ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله”. (1يو3: 9).
فهل نحن كذلك؟ أم ندعو الله أبًا لنا، دون أن نسلك كأبناء له، لهم صفات أولاد الله التي تميزهم.. حقاً، أنه شرف لنا، أن نكون أولاد الله، منحنا هذا التبني..
ولكنها أيضاً مسئولية …
في كل مرة نقول “أبانا الذي في السموات” نقول له أيضًا: أن هذه البنوة تبكينا، بل يقول كل منا، وهو يقارن المطلوب منه كابن بما هو كائن فيه، يقول للرب بروح الانسحاق “لست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا. اجعلني كأحد أُجرائك”..
لماذا؟ لأن المولود منك، المفروض فيه أنه لا يخطئ، بل لا يستطيع أن يخطئ. إذن من يخطئ، يقول بعدل “لست مستحقاً أن أدعى لك ابنًا”.
الابن ينبغي أن تكون له صورة أبيه…
ونحن كنا هكذا، إذ خلقنا الله علي صورته ومثاله.. وأخذنا هذه الصورة مرة أخري في المعمودية.. (غل3: 27). فهل ماتزال لنا صورة الله؟ هل كان من يرانا ويتعامل معنا، يقول: حقًا هؤلاء هم أولاد الله علي أننا إنما نعتمد على محبته باستمرار ونقول لله يا أبانا..
إن لم تكن لنا صورتك أعطنا هذه الصورة كأب…
نحن نتمسك بمحبتك، أنت الذي كونتنا إذ لم نكن.. وخلقتنا لك دون أن نطلب، وأعطيتنا أن ندعى أولادك.. وبهذه الدالة نحن نتحدث إليك.
نحن الأرضيين ندعوك أنت يا أبانا الذي في السموات..
من سمائك، انظر إلينا كأولادك. علمنا طرقك وفهمنا سبلك. قدنا في الطريق الذي تراه، وامنحنا القوة على المسير، وامنحنا صورتك.
يكفي أن نقف عند عبارة يا أبانا، حتى دون أن نطلب شيئًا. يكفي أن يكون لنا أب مثلك، هو خالق السماء والأرض، وهو الحب غير المحدود وغير المدرك.
يكفي أن نقول يا أبانا وأنت تعرف الباقي أيها العارف بالخفيات والظاهرات…
كل واحد منا، هو كابن، لجأ في تعبه إلى أبيه، وألقى بنفسه في أحضانه، وقال له “يا أبي”..
وأبوه يدرك تمامًا ما يحتاجه هذا الابن، ولا يسأله كثيرًا ماذا تطلب.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 28-6-1981م



