This Is How I Console You

| الكتاب | هكذا أعزيكم |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، نوفمبر 2018م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 2732 / 2018 |
طرس البركة قداسة البابا تواضروس الثاني
قداسة البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ118
وإن مات فهو يتكلم بعد...
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا روحيًا وأدبيًا وكنسيًا ربما لم تشهده أجيالًا كثيرة قبلًا. وفي نفس الوقت هذا التُراث لم نحصره تمامًا حتى الآن.
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم ينشر بعد.
وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل...
ونقدم لكم كتاب:
هكذا أعزيكم
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله... يُعلّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحيّاته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور خاصة "مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي.
ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
هذا الكتاب
يواصل "مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث" في إصدار الكتب التي تحتوي على محاضرات وعظات لقداسة البابا شنوده الثالث. إذ تتميز تعاليمه بالروحانية والعمق والخبرة الروحية والعملية، وبهذه التعاليم ينير عقولنا وعيون قلوبنا.
لا يوجد أعذب من كلمات الكتاب المقدس التي تعزينا وتنعش أرواحنا التي قد تحزن بسبب فراق أحد أحبائنا، ولكن الله لا يتركنا أبدًا حزانى "كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا، وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ" (إش 66: 13).
ومُعلم الأجيال قداسة البابا شنوده الثالث، في هذا الكتاب "هكذا أعزيكم".. يشرح لنا معنى تذكار الثالث للميت، وذكرى الأربعين. ويعرفنا أن الموت هو اِشتياق للمؤمن .. لإنه الجسر الذي سيوصلنا لرؤية رب المجد. وأننا نعيش للرب ونموت أيضًا للرب..
كما ينبهنا أن أنظارنا لا بد أن تكون موجهة نحو السماء.. ومتعلقة قلوبنا ومتشوقة أرواحنا للوصول إلى أورشليم السماوية.. بل أن الكنيسة تُشيّد على شكل قبة رمزًا للسماء، وأُطلقَ عليها القبة السماوية، كما ترسم النجوم على سقوف الكثير من الكنائس رمزًا للسماء..
ويشد قداسته أذهاننا إلى أنه هناك حزن غير رديء وحزن رديء؛ أي أن هناك حزن مقبول ولازم، وحزن غير مقبول، وأن لكل منهما وقته وأسبابه.
ونحن نصلي إلى الله عزيزي القارئ أن يطرد عنا كل حزن رديء ووجع قلب، وأن نعيش دائمًا على رجاء القيامة فنفرح ونتعزى؛ لأننا سنقابل العريس السماوي بعد كل تلك الآلام. كما سنفرح برؤية أحباءنا الذين سبقونا ونتمتع بالسماويات والملائكة والقديسين.. وسيمسح الله كل دمعة من عيوننا كما يقول القديس يوحنا اللاهوتي: "وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِيمَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِيمَا بَعْدُ" (رؤ 21: 4). بصلوات الممتلئة نعمة الحنونة كلية الطهر والدة الإله وكل الملائكة والقديسين... ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ -، من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط، سنة 1947م.
4- تخرج من الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية.
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- كتب أكثر من 150 كتابًا في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين و5 أساقفة لكنيسة إريتريا و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهنًا و1000 راهبًا.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى أكثر من 80 رحلة.
19- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص، بشهادة الأنبا باخوميوس، مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية والقائم مقام البطريرك.
نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَعْنا بصلواته.
قصيدة تائه في غربة
يا صديقي لست أدري ما أنا |
| أو تدري أنت ما أنت هنا؟ |
لست أدري كيف نمضي أو متى |
| كل ما أدريه أنا سوف نمضي |
قل لمن يبني بيوتًا ههنا |
| أيها الضيف لماذا أنت تبني؟ |
ذكرى يوم الأربعين
جاء في قوانين الآباء الرسل: "اذكروا الميت في يوم وفاته واذكروه في اليوم الثالث لأن المسيح قام من الأموات في اليوم الثالث، واذكروه في يوم الأربعين لأن المسيح صعد إلى السماء في يوم الأربعين".
فالكنيسة تحب أن تعزي أهل الميت، بأن الميت لم يمت، أي أنه لم يمت موتًا أبديًا، "لأنه ليس موت لعبيدك بل انتقال" (أوشية الراقدين). وإنه لا بد أنه يقوم. ففي اليوم الثالث تعزيهم بأن الميت سيقوم كما قام السيد المسيح في اليوم الثالث. ما دام هناك إمكانية للقيامة بقيامة المسيح فنحن سوف نقوم.
وفي يوم الأربعين تُذكِرهم بأنه كما إن السيد المسيح صعد إلى السماء في يوم الأربعين كذلك سيصعد هذا الميت إلى السماء أيضًا، لكن لن يصعد في يوم الأربعين، إنما مثلما قال السيد المسيح إنه سيأتي على السحاب، ويرسل ملائكته فيجمعون مختاريه ويصعدوا معه إلى السحاب.
وبولس الرسول يعلق على هذا ويقول: "وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17)، يأخذنا ونصعد معه إلى السماء إلى فوق، فكما كان صعود السيد المسيح في اليوم الأربعين كذلك سيكون صعود للمؤمنين.
وكل هذا تريد به الكنيسة أن توضح أن الموت لا تكن له صورة قاتمة محزنة في نفوس الناس وإنما هناك رجاء في القيامة وهناك رجاء في الصعود وهناك جلوس في السماء ومتعة مع الآب، فالموت ليس محزن بهذا الشكل.
... مع المسيح، فذاك أفضل جدًا.
للرب نموت
"لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (رو 14: 8)
حياتنا تكون لله، وموتنا يكون لله، لأنه إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت، إن عشنا أو متنا فللرب نحن..
للرب نموت
لأجل أن ننتقل إليه ونجلس معه في السماء، في الفردوس، في الملكوت، في أورشليم السمائية. كما يقول بولس الرسول: "نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17) هكذا من يموت لأجل الله. ويقول أيضًا: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23). فهو يشتهي الموت لينقله لله. ولذلك نقول أيضًا أنه: "في الموت سنراه وجهًا لوجه، الآن نعرف بعض المعرفة... ولكن حينئذ نراه وجهًا لوجه، الآن ننظر كما في مرآةٍ... لكن هناك نراه وجهًا لوجه.
لذلك كان الآباء القديسون يفرحون بالموت، لأنه كان ينقلهم إلى الله، ويقولون: للرب نموت! يفرحون بخلع هذا الجسد لكي تكون الروح طليقة مع الله، من هنا كان الاستشهاد من أجل الله، ومن هنا كان الموت من أجل الله.
يروى عن القديس أغناطيوس الأنطاكي الذي أرسلوه إلى روما لكي تأكله الأسود، فأراد المسيحيون في روما أن ينقذوه من الموت فأرسل إليهم رسالة جميلة جدًا موجودة في كتابات الآباء الرسوليين قال لهم: "يا إخوتي أخشى أن محبتكم تسبب ضررًا لي. أنا وصلت لنهاية الطريق وسوف ألتقي بالله، فأنتم تريدون أن تنقذوني وتعطلوني عن هذا اللقاء. إن محبتكم تسبب لي ضررًا"، هذه هي طريقة الإنسان الذي يموت من أجل الله.
كما أن من يموت من أجل الله يكون فَرح بالموت، ومن يخاف عند الموت ولا يعرف أين يذهب؟ ومضطرب ولا يعلم مصيره وخائف!! لأنه لا يدرك أنه يموت لله. بينما من يقول: "فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (لو 23: 46)، يكون فرحًا بالموت. ومن يقول: "أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" (أع 7: 59)، يكون فرحًا بالموت... لأنه للرب يموت.
من يموت للرب، يُميت على الأرض حواسه الجسدانية، كما نقول في صلاة الساعة التاسعة: "أمت حواسنا الجسدانية".. بحيث ألا تعمل في العالم بل تكون لله، وهو يقول كما قال بولس الرسول: "إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ" (رو 8: 36).
يميت رغباته وشهواته العالمية الأرضية ويحيا لله فيكون في موت حواسه الجسدانية موت مع الله، فيقول: "للرب نعيش"، الاثنين مرتبطين ببعض.
الإنسان الذي يريد أن يعيش مع الله ويموت مع الله يتذكر قول السيد المسيح لمرثا: "أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ" (لو 10: 41، 42).. الحاجة إلى الواحد الذي يعيش الإنسان من أجله.
نحن نُبَذر عواطفنا، ولا نركزها في الله. الابن الضال بَذر أمواله في عيشٍ مسرف، وأناس كثيرون يبذرون عواطفهم بعيش مسرف ولا يركزون في الله، فلا يأخذ الله منهم إلا فتات الفتات، بل لا يأخذ منهم شيئًا، ماذا يأخذ الرب منهم؟! لا شيء...
اللص اليمين عاش مع الرب يسوع ساعات قليلة أخذ بهم الفردوس. هذا ينطبق عليه للرب نعيش وللرب نموت وهكذا نقول:
"لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ" (رو 14: 8).




